فأمّا قوله : «إن كان خطأ فمنّي» (١) فيمكن أن يكون لأنّه جوّز أن يكون هناك ما هو أولى من الظّاهر من دليل يخصّ ، أو رواية تقتضيه من الرّسول صلىاللهعليهوآلهوسلم في مثل ما سئل عنه يخالف قضيّته ، أو غير ذلك ممّا يكون العدول إليه أولى.
على أنّهم يقولون : «كلّ مجتهد مصيب» ، فيلزمهم السّؤال عن قوله : «إن كان خطأ فمنّي» ، وكيف نسب نفسه إلى الخطأ وهو مجتهد؟
فلا بدّ لهم من الرّجوع إلى تجويزه على نفسه التّقصير في طلب خبر لو استقصى لظفر به ، وما جرى مجرى ذلك.
ومتى تأمّلت جميع المسائل الّتي حكي عنهم إضافة القول فيها إلى رأيهم وجدت لها مخرجا في الظّواهر وطرقا تخالف القياس!
فأمّا قولهم : «ولو كان رجوعهم في ذلك إلى طرق العلم لما صحّ منهم الرّجوع من رأي إلى آخر ، ولا التّوقّف فيه ، وتجويز كونه خطأ وصوابا». فمن بعيد ما يقال ، وذلك أنّ الرّجوع عن المذاهب وأدلّتها لا يدلّ على القول فيها بالقياس والظّنّ ، لأنّ ذلك قد يصحّ فيما طريقه العلم والأدلّة ، ألا ترى أنّ القائل بالجبر قد يعدل عنه إلى العدل ، وكذلك قد يعدل عن القطع على عقاب الفسّاق من أهل القبلة إلى القول بالإرجاء (٢) ، وسائر مسائل الأصول ذلك ممكن فيها ، فليس التّنقل من رأي إلى آخر
__________________
(١) راجع المصادر الواردة في هامش رقم (٢) صفحة ٦٦٦.
(٢) الإرجاء إما أن يكون مشتقا من الرجاء بمعنى الأمل ، أو من الإرجاء بمعنى التأخير ، والمرجئة فرقة قالت : لا يضرّ مع الإيمان معصية ، ولا ينفع مع الكفر طاعة ، وإنّ الإيمان قول بلا عمل ، فكأنّهم قدّموا الإيمان وأرجئوا العمل ، وخلاصة القول : إنّهم يذهبون إلى أنّ أصحاب الكبائر إذا ماتوا غير تائبين فإن حساب أعمالهم مرجوّ ومؤخّر ليوم القيامة ، وأنّهم لا يحكمون عليهم بالنعوت والصفات في الدنيا ، فلا يحكمون عليهم بالفسق ، أو الكفر ، وأنهم مؤمنون أو فاسقون ، أو فاسق ، أو من أهل النار ، والجنّة ، بل يرجئونه إلى الآخرة. والمرجئة على أصناف وفرق عديدة. وقد اختلف أرباب الملل والنحل في مبدع هذه الفكرة ، والرّأي السائد عند المحققين أنها من الفرق التي أبدعتها السياسة الأمويّة لتبرئة جرائمها ولإبعاد الناس عن توصيفهم بالفسق والكفر بعد ما شاهدوا منهم الجرائم والموبقات ، ولآراء المرجئة تأثيرات كبيرة بعيدة المدى في أصول الدين عند المذاهب السّنية لا زالت باقية.
![العدّة في أصول الفقه [ ج ٢ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4329_aloddate-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
