المفاسد النفس الأمريّة نجد أنّهما متساويان في نظر العقل فيما هو مناط العصيان من جرأة العبد على المولى وهتكه وعدم المبالات بشأنه في أمره ونهيه فإذا كان العاصي عاصيا بهذا المناط لزم أن يكون المتجرّي أيضا عاصيا بالمناط.
اقول : وجوابه أنّ وجداننا لا يساعد الحكم بتساوي فعل العاصي والمتجرّي ، وإن حكمنا بتساويهما من حيث الجزم والإرادة وقصد التمرد والهتك ، ولا كلام في هذه ، إنّما الكلام في حرمة الفعل ولم يثبت.
وقد اورد على ما اخترناه من حرمة التجرّي [بأنّه] غير معقول لوجوه :
الأوّل : أنّه يستلزم كون الشيء حراما بنفسه وباعتبار تعلّق القطع به أيضا وهو محال ضرورة استحالة اجتماع المثلين وقد مرّ هذا في مقدمات المسألة مع جوابه ، وهو أنّ المستحيل اجتماع المثلين في موضوع واحد ، والموضوع متعدّد فتذكّر.
الثاني : أنّ صدور الخطاب بحرمة التجرّي ممتنع نظير تكليف الغافل والساهي حيث إنّ المكلّف لو التفت إلى أنّ فعله تجرّ يعني لا يصادف المعصية الواقعيّة انتفى موضوع التجرّي فضلا عن حكمه.
الثالث : أنّ عنوان التجرّي عنوان خارج عن بحث قدرة المكلّف ، لأنّه لا يتحقّق في الخارج إلّا مع غفلة المكلّف عنه لما مرّ في الوجه الثاني من أنّه لو التفت انتفى.
والجواب عن الوجهين ما مرّ سابقا من أنّ الخطابات الواقعيّة تكفي في صحّة العقاب على مخالفتها ما لم يعتذر المكلّف على المخالفة بعذر صحيح ، والجهل بخصوص عنوان التكليف ليس عذرا مقبولا ، بل العلم بنوع التكليف كاف في تنجّز الحكم وصحّة العقاب عليه ، وحينئذ لو كان التجرّي حراما في الواقع يصحّ العقاب عليه وإن كان المكلّف جاهلا بعنوانه معتقدا بأنّه محرّم آخر وقد مرّ بيانه مستوفى في أوّل المسألة.
أقول : المناسب أن يجعل الوجوه الثلاثة من أدلّة القول بعدم حرمة التجرّي لا الإيراد على أدلّة القول بالحرمة.
