الأخبار المدّعى تواترها مفيدا للعلم بانضمام القرائن وانضمام الأدلّة الأخر ، لكن ليس ذلك من جهة التواتر المصطلح.
أقول : لا وقع للإشكال المذكور أصلا لما عرفت سابقا من أنّ إفادة التواتر للعلم عادة مستندة إلى تعاضد الاخبار بعضها بعضا وتراكم الظنون حتّى ينتهي إلى العلم ، ولا شكّ أنّه لو أخبر زيد عن فلان إلى آخر السلسلة بوقوع واقعة في زمان كذا يحصل في أذهاننا ظنّا ولو كان في غاية الضعف بوقوع تلك الواقعة مستندا إلى ذلك الخبر المعنعن فإذا أخبر عمرو بنظير إخبار زيد معنعنا بوقوع الواقعة قوى ذلك الظنّ في الجملة ، وهكذا يقوى الظنّ بإخبار السلسلة الثالثة والرابعة والخامسة إلى أن ينتهي إلى حدّ العلم ، وإنكار هذا المعنى مكابرة ، وحصوله من كثرة هذه الأخبار المعنعنة لا من غيرها من القرائن أو الحدس السابق معلوم ، وتسمية الخبر الكذائي بالتواتر واضحة معروفة ، فأين ذلك الإشكال الصعب الذي ألجأ ذلك المحقّق المتبحّر في فنون العلم والصناعات إلى أن يميل إلى مذهب الصنميّة والبراهمة ، والعجب أنّه في المناهج أشار إلى ما ذكرنا كما نقلناه عنه في ذيل الشرط الخامس فتذكّر.
وما ذكر من أنّ المناط حصول العلم من أيّ سبب كان ، قلنا : ولكن الغرض أنّ التواتر من أسبابه النوعيّة العاديّة المضبوطة لا يختلف باختلاف الموارد والأشخاص ، حتّى يحال على حصول العلم الفعلي ، وبه يصحّ إلزام الخصوم وإبطال شبهة المبطلين من أهل الملل والنحل بحيث لا يبقى لهم ملجأ إلّا الاعتراف بالحقّ واعتقاد الصواب أو الانحراف إلى جهة المكابرة والعناد ، حتّى يعرف ذلك منهم كلّ عارف ، ومنه يتمّ الحجّة على كلّ مبطل معاند ، ويستحقّ ما يستحقّ من الذمّ والعقاب على ما مرّ في كلام صاحب الفصول ، ولذلك اصطلح أهل الاصطلاح بعد تميّز موضوع التواتر وأنّه من مبادي العلم الضروري أو النظري على اختلاف ، في ذكره في عداد سائر المبادي وأخذوا في تسميته وبيان شرائط تحقق موضوعه وأقسامه وإمكان تحقّقه وإمكان العلم به ورفع الشكوك والشبهات الموردة عليه.
