وهكذا يجاب عن الوجه الثالث ، لأنّ مجموع الإناءين معا لم يعلم حرمته أي حرمة ذلك المجموع ، بل علم اشتمال ذلك المجموع على الحرام ، لا أنّه حرام بعينه.
هذا مضافا إلى أن الخبر الأخير أعني «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال» يدلّ على حليّة هذا الفرد يعني مجموع الإناءين ، إذ يصدق عليه أنّه شيء فيه حلال وحرام.
نعم يلزم ذلك جواز ارتكاب كلا المشتبهين دفعة أيضا ولا بأس بالتزامه كما مرّ سابقا أيضا. اللهمّ إلّا أن يكون ارتكابهما بفعل واحد فإنّه يعلم تفصيلا بحرمة هذا الفعل.
ومنها أنّ إجراء أصل البراءة والحلّ في كلا المشتبهين وإن كان صحيحا في حدّ نفسه وبالنظر إلى خصوص كلّ واحد ، إلّا أنّ الأصلين متعارضان بضميمة العلم الإجمالي بمخالفة أحدهما للواقع ، كما في الخبرين المتعارضين كذلك كأن يدلّ أحدهما على وجوب الظهر والآخر على وجوب الجمعة ، وعلمنا بعدم وجوب كليهما ، فيحكم بالتعارض بين الخبرين ، وحكم المتعارضين التخيير بناء على أنّ الأصل والقاعدة في تلك المسألة يقتضي التخيير على ما هو الحقّ ، لا التساقط ، ويلزم ذلك حرمة المخالفة القطعيّة بإعمال الأصلين في الطرفين.
والجواب عنه من وجوه :
أحدها : ما يظهر من المصنّف رحمهالله في آخر رسالة الاستصحاب ، ومحصّله أنّ الحكم بالتخيير بعد التعارض إنّما يتمّ فيما لو كان مقتضى الحجّية في كلا المتعارضين موجود ، وإنّما منع عن العمل بهما عدم قدرة المكلّف على العمل بهما ، فيحكم العقل بالتخيير ليحصل العمل بالحجّة بقدر الإمكان ، وما نحن فيه ليس كذلك ، لأنّ المانع من إجراء الأصلين ليس إلّا العلم الإجمالي بمخالفة الواقع ووجوب متابعة ذلك العلم شرعا فلا يمكن للشارع أن يجعل كلا الأصلين حجّة ، لوجوب متابعة العلم بقوله : «حتى تعلم أنّه حرام» ، وقوله : «لكنه تنقضه بيقين آخر» في مثل الاستصحابين.
