بل معنى الإباحة هناك أيضا نفي الحرج عن الفعل والترك ، ولو سلّم كون الأحكام الظاهريّة أحكاما شرعيّة في مقابل الأحكام الواقعيّة لا منافاة أيضا بين الإباحة الظاهريّة وكون الحكم في الواقع إمّا الوجوب أو الحرمة لاختلاف موضوع الحكمين على ما قرّروه من أنّ موضوع الحكم الواقعي نفس الفعل أو الترك وموضوع الحكم الظاهري هو الفعل بوصف أنه مجهول الحكم.
ولا يخفى أنّ القضيّة الاولى لو كانت ثابتة تنتج الوجه الرابع من الوجوه السابقة ، وهو الالتزام بأحد الاحتمالين إمّا الوجوب أو الحرمة احتياطا رجاء لكونه هو الواقع ، ضرورة كون الالتزام الواقعية (كذا) مفصّلا على هذا التقدير من الأفعال الواجبة ، غاية الأمر أنّه من أفعال القلب ، وحيث علم بثبوت أحد الحكمين يجب الالتزام به ، حتّى لو كان الالتزام بكليهما ممكنا كان واجبا احتياطا لإدراك الواجب الواقعي في البين ، وإن لم يمكن كلاهما لزم أحدهما بحكم العقل كما في الشبهة المحصورة ، إذا تعذّر الاجتناب عن جميع الأطراف يجب الاجتناب عن بعضها بقدر الإمكان.
وأمّا التخيير على الوجه الثالث من الوجوه السابقة وهو الالتزام بأحد الاحتمالين تعيينا على ما يختاره نظير التخيير بين الخبرين المتعارضين فهو ممنوع منه ، لأنّه يستلزم التشريع المحرّم ، إذ المفروض أنّه لم يعلم بالوجوب أو الحرمة بالخصوص ، فكيف يلتزم بأحدهما بالخصوص معيّنا ، هذا إذا فسّر التشريع بإدخال ما لم يعلم أنّه من الدين في الدين وإن فسّر بإدخال ما ليس من الدين في الدين فما نحن فيه داخل أيضا فيما هو مناط التحريم فى التشريع المصطلح المستدلّ عليه بمثل قوله : (قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)(١) ونحوه ، كما لا يخفى.
وممّا ذكرنا ظهر أنّه لا وجه لمقايسة ما نحن فيه بالخبرين المتعارضين ، لأنّ الدليل دلّ هناك على تصديق كلّ خبر خبر بالخصوص ، فلمّا لم يمكن ذلك في المتعارضين
__________________
(١) يونس : ٥٩.
