فالوجوب فعلي ، والواجب استقبالي فيجب صوم الغد في المقام من أول الليل ، بل من أول الشهر كما هو ظاهر قوله تعالى : (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ،) فإذا كان الوجوب حاليا وثابتا قبل مجيء وقت الواجب وبنينا على وجوب المقدمة شرعا ترشح الأمر من ذيها لا محالة ، فبعد هذا الالتزام بهاتين الدعويين أعني الوجوب التعليقي ووجوب المقدمة شرعا يتصف الغسل في المقام بالوجوب الشرعي.
الثاني : وإن أنكرنا الوجوب التعليقي وبنينا على أن الوجوب مشروط بالوقت كنفس الواجب فلا وجوب لذي المقدمة قبل مجيء وقته ، إلّا أنه لا مانع من التفكيك بن المقدمة وذيها في الوجوب ، بأن تجب المقدمة فعلا من غير أن يجب ذوها إلّا بعد حين ، فيعني الملاك الذي من أجله وجبت المقدمة ، أعني توقف ذيها عليها يمكن أن يكون وجوبها سابقا على وجوبه فيما إذا رأى المولى أن الدخيل في الواجب إنما هو المقدمة السابقة وجودا على وقته دون اللاحقة ، وحديث ترشح وجوب المقدمة من ذيها المستلزم لتأخر وجوبها عن وجوبه كلام مشهور لا أساس له من الصحة ، إذ كيف يعقل ترشح الوجوب من وجوب ، وإن يكون فعل اختياري معلولا لفعل اختياري آخر ، وهل وجوب ذي المقدمة بنفسه مشرّع كي يكون علة لوجوب المقدمة ويكون وجوبها مترشحا من وجوبه؟ كل ذلك لا يكون ، بل الوجوب الغيري كالوجوب النفسي كل منها فعل اختياري لنفس الفاعل أعني المولى الذي بيده الحكم ، لا أن الأول معلول للثاني كي يكون فعلا لفعل الفاعل ومعلولا لمعلوله ، بل كل منهما بحياله فعله مستقلا ، غاية الأمر أنهما متلازمان في الوجود ، ويكون وجوب أحدهما لأجل الآخر لا بملاك قائم بنفسه.
