يكونان ظرفين ، ألا ترى إلى قول الفرزدق :
|
يطاعن قبل الخيل وهو أمامها |
|
ويطعن عن أدبارها إن تولّت (١) |
وقال تعالى : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ) [الطور : ٤٩] فنصبه على الظرف ، وهو جمع دبر.
(وَأَلْفَيا سَيِّدَها) أي : صادفا بعلها قطفير عند الباب يريد الدخول ، فاستقبلته ودهته بكيد جمعت فيه بين أغراضها ، وهي براءتها من الريبة ، وتهييج زوجها على يوسف ، حيث لم يواقعها ، وتخويفه من مخالفتها في تأتّي الحال ، فقالت : (ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً) تريد : الزنى ، (إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ) أي : ما جزاؤه إلا السجن. وقيل : إن «ما» استفهامية ، على معنى : أيّ شيء جزاؤه إلا السجن.
والعذاب الأليم : الضرب بالسياط ، في قول عامة المفسرين (٢).
فلما أغرت زوجها بيوسف وعرضته للعذاب ، قرّعه بسياط التوبيخ والتعنيف ، فقال له : يا يوسف ، أخنتني وغدرت بي ، وغررتني بصلاحك؟ فقال مبرئا لنفسه الشريفة من وصمة الفاحشة ، دافعا عنها عار الخيانة ، ومنزها لها عن التلوث بما رمته به من الإساءة إلى من أحسن إليه وأوصى به خيرا : (هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) ، ولو لا ذلك لزجرته طباعه الكريمة وأغراضه المستقيمة وأعراقه الزكية عن إظهار سرّها وهتك سترها ، ولكن تلجئ الضرورات في الأمور إلى سلوك ما لا يليق بالأدب.
فإن قيل : هل تضمن هذا الاعتذار حكمة وفائدة غير عائدة إلى يوسف بالمعنى
__________________
(١) البيت للفرزدق ، وهو ليس في ديوانه. وانظر : المحتسب (١ / ٣٣٨).
(٢) ذكره الواحدي في الوسيط (٢ / ٦٠٩) ، وابن الجوزي في زاد المسير (٤ / ٢١١).
![رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٣ ] رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4306_rumuz-alkunuz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
