الغريقين في آن واحد بحيث لا يمكن إلا إنقاذ واحد منهما وأنت لا تكلف عبيدك بإنقاذهما لا لقصور فيهما أو في مطلوبيتهما بل لقصور في الزمان وعدم سعته إلا لواحد منهما فهما في أنفسهما مطلوبان ولكن الزمان لا يسع كليهما فإن لم يكن في أحدهما ترجيح فالوجدان والعقل الفطري [الذي يبعث العبد باقتضاء عبوديته بامتثاله لأوامر مولاه] يخيّره في إنقاذ كل منهما ولا يعذره في تركهما وإن كان رجحان في أحدهما كأن كان أحدهما عالما برا تقيا وقد كان يعلم العبد أنّ إنقاذه أشد حبا لمولاه فعقله وفطرته يحكم بتقديمه عليه في مقام الامتثال والانقياد فلو أنه ترك إنقاذهما في هذه المقام كان مسئولا أيضا بتركهما معا لأنه ترك أمرين كل منهما مطلوب لمولاه في نفسه وإن ترك الأهم كان مسئولا أيضا بتركه ولكنه لو أتى بغير الأهم كان آتيا لمطلوبه الآخر الذي لا يكون مهما وكان صحيحا وموجبا للتقرب إن كان تعبديا وأتى به متقربا إليه وهكذا إن كان زمان أحدهما مضيقا وزمان الآخر موسعا وكان مطلوبيتهما في أنفسهما في عرض سواء فالعقل الفطري يحكم بلزوم تقديم المضيق لأنه يفوت وقته دون الآخر ولو أنه تركه وأتى بالموسع فقد خالف في تركه المضيق ولكنه امتثل في إتيان الموسع وإن شئت [١] قلت في جميع ذلك بأنه
__________________
[١] لا يخفى عليك أن الله تعالى جل شأنه وعظم سلطانه منزه عن توارد الحوادث عليه وليس هو محلا للحوادث فالطلب والإرادة لا يتواردان عليه وإنما إنشاء وقرر الأحكام لمصالح يعلمها وإذا تزاحم الحكمان فليس القصور في الحقيقة من جانبها وعدم الإمكان أنما أتى من جهة قصور الوقت وعدم سعته فبكل منهما أتى فقد أتى بما هو مطلوب ومحبوب للمولى بالمعنى الذي ذكرنا وإن كان العقل يلزمه بأن يأتي بما هو أهم أو بما هو يضيق فافهم
