«الرّدء» موقوفا عليه ، فالخروج من كسر إلى ضمّ في هاتين الكلمتين ليس بلازم. وقوله : «منهم من يغيّر واوها» المشهور بناؤها على الواو مطلقا ، وقد تعرب كالتي بمعنى صاحب وأنشدوا :
|
١١١٧ ـ فإمّا كرام موسرون لقيتهم |
|
فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا (١) |
ويروى : «من ذو» على الأصل.
قوله : (إِنْ كُنْتُمْ) شرط وجوابه محذوف عند الجمهور أي : فاتّقوا وذروا ، ومتقدّم عند جماعة. وقيل : «إن» هنا بمعنى إذ ، وهذا مردود مرغوب عنه. وقيل : يراد بهذا الشرط هنا الاستدامة.
(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)(٢٧٩)
قوله تعالى : (فَأْذَنُوا) : قرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم : «فآذنوا» بألف بعد الهمزة ، والباقون بدون ألف ، ساكن الهمزة. فالأولى من آذنه بكذا أي : أعلمه كقوله : (فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ)(٢) والمعنى : أعلموا غيركم. أمر المخاطبون بترك الربا أن يعلموا غيرهم ممّن هو على حالهم في المقام بالرّبا بمحاربة الله ورسوله ، فالمفعول هنا محذوف ، وقد صرّح به الشاعر في قوله :
|
١١١٨ ـ آذنتنا ببينها أسماء |
|
ربّ ثاو يملّ منه الثّواء (٣) |
وفي قوله تعالى : (آذَنْتُكُمْ). وقيل : الهمزة في «فأذنوا» للصيرورة لا للتعدية ، والمعنى : صيروا عالمين بالحرب ، قاله أبو البقاء ، وفيه بعد كبير.
وقراءة الباقين أمر من : أذن يأذن أي علم يعلم أي : فاعلموا يقال : أذن به فهو أذين ، أي : علم به فهو عليم.
ورجّح جماعة قراءة حمزة. قال مكّي : «لو لا أنّ الجماعة على القصر لكان الاختيار المدّ. ووجه ذلك أن آذن بالمدّ أعمّ من أذن بالقصر ، لأنهم إذا أعلموا غيرهم فقد علموا هم ضرورة ، من غير عكس ، أو يعلمون هم بأنفسهم ولا يعلم غيرهم». قال : «وبالقصر قرأ علي بن أبي طالب وجماعة».
وعكس أبو حاتم فرجّح قراءة القصر ، واستبعد قراءة المدّ. قال : «إذ الأمر فيه بالحرب لغيرهم والمرادهم ؛ لأنهم المخاطبون بترك الربا» وهذا الذي قاله غير لازم ؛ لأنك إذا كنت على حالة فقلت لك يا فلان : «أعلم فلانا أنه مرتكب قبيحا» وهو شيء مماثل لما أنت عليه علمت قطعا أنك مأمور به أيضا ، بل هو أبلغ من أمري لك مواجهة. وكذلك قال ثعلب ، قال : «الاختيار قراءة العامة من الإذن لأنه يفسّر كونوا على إذن وعلم ، ولأنّ الكلام يجري به على وجه واحد وهو أدلّ على المراد ، وأقرب في الأفهام». وقال أبو عبيدة : «يقال : أذنته بالشيء فأذن به» ، أي : علم ، مثل : أنذرته بالشيء فنذر به ، فجعله مطاوعا لأفعل.
وقال أبو عليّ : «وإذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم لا محالة ، ففي إعلامهم علمهم ، وليس في علمهم
__________________
(١) البيت لمنظور بن سحيم انظر شرح المفصل (٣ / ١٣٨) ، الهمع (١ / ٨٤) ، الأشموني (١ / ١٥٧) ، الدرر (١ / ٥٩).
(٢) سورة الأنبياء ، آية (١٠٩).
(٣) البيت للحارث بن حلزة انظر شرح المعلقات للتبريزي (٤٣١) ، الشنقيطي (١٢١) ، الخصائص (١ / ٢٤١).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)