ومن نصب فعلى إضمار «أن» عطفا على مصدر متوهّم مأخوذ من قوله : «فهو خير لكم» ، والتقدير : وإن تخفوها يكن أو يوجد خير وتكفير. ونظيرها قراءة من نصب : (فَيَغْفِرُ) بعد قوله : (يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ)(١) ، إلّا أنّ تقدير المصدر في قوله : «يحاسبكم» أسهل منه هنا ، لأنّ ثمة فعلا مصرّحا به وهو «يحاسبكم» ، والتقدير : يقع محاسبة فغفران ، بخلاف هنا ، إذ لا فعل ملفوظ به ، وإنما تصيّدنا المصدر من مجموع قوله : (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ). وقال الزمخشري : «ومعناه : وإن تخفوها يكن خيرا لكم وأن يكفّر».
قال الشيخ (٢) : «وظاهر كلامه هذا أنّ تقديره «وأن يكفّر» يكون مقدّرا بمصدر ، ويكون معطوفا على «خيرا» الذي هو خبر «يكن» التي قدّرها ، كأنه قال : يكن الإخفاء خيرا لكم وتكفيرا ، فيكون «أن يكفّر» في موضع نصب ، والذي تقرّر عند البصريين أنّ هذا المصدر المنسبك من «أن» المضمرة مع الفعل المنصوب بها هو مرفوع معطوف على مصدر متوهّم مرفوع ، تقدّره من المعنى. فإذا قلت : «ما تأتينا فتحدثنا» فالتقدير : ما يكون منك إتيان فحديث ، وكذلك : «إن تجيء وتحسن إليّ أحسن إليك» التقدير : إن يكن منك مجيء وإحسان أحسن إليك ، فعلى هذا يكون التقدير : وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فيكون زيادة خير للإخفاء على خير الإبداء وتكفير». انتهى ولم أدر ما حمل الشيخ على العدول عن تقديره أبي القاسم إلى تقديره وتطويل الكلام في ذلك مع ظهور ما بين التقديرين؟.
وقال المهودي : «هو مشبّه بالنصب في جواب الاستفهام ، إذ الجزاء يجب به الشيء لوجوب غيره كالاستفهام». وقال ابن عطية : «الجزم في الراء أفصح هذه القراءات لأنها تؤذن بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطا إن وقع الإخفاء ، وأمّا رفع الراء فليس فيه هذا المعنى».
قال الشيخ (٣) : «ونقول إنّ الرفع أبلغ وأعمّ ، لأنّ الجزم يكون على أنه معطوف على جواب الشرط الثاني ، والرفع يدلّ على أنّ التكفير مترتّب من جهة المعنى على بذل الصدقات أبديت أو أخفيت ، لأنّا نعلم أنّ هذا التكفير متعلّق بما قبله ، ولا يختصّ التكفير بالإخفاء فقط ، والجزم يخصّصه به ، ولا يمكن أن يقال إن الذي يبدي الصدقات لا يكفّر من سيئاته ، فقد صار التكفير شاملا للنوعين من إبداء الصدقات وإخفائها وإن كان الإخفاء خيرا».
قوله : (مِنْ سَيِّئاتِكُمْ) في «من» ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها للتبعيض ، أي : بعض سيئاتكم ، لأن الصدقات لا تكفر جميع السيئات ، وعلى هذا فالمفعول في الحقيقة محذوف ، أي : شيئا من سيئاتكم ، كذا قدّره أبو البقاء.
والثاني : أنها زائدة وهو جار على مذهب الأخفش وحكاه ابن عطية عن الطبري عن جماعة ، وجعله خطأ ، يعني من حيث المعنى.
والثالث : أنها للسببية ، أي : من أجل ذنوبكم ، وهذا ضعيف. والسيئات جمع سيّئة ، ووزنها فيعلة وعينها واو ، والأصل : سيوءة ففعل بها ما فعل بميّت ، وقد تقدّم.
(لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (٢٨٤).
(٢) انظر البحر المحيط (٢ / ٣٢٥).
(٣) انظر البحر المحيط (٢ / ٣٢٦).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)