الفعل ، وقد تقدم دليل الفريقين.
وقرئ شاذا (١) بنصب الدال من «الحمد» وفيه وجهان :
أظهرهما : أنه منصوب على المصدرية ، ثم حذف العامل ، وناب المصدر منابه ، كقولهم في الإخبار : حمدا وشكرا لا كفرا ، والتقدير : أحمد الله حمدا ، فهو مصدر نائب عن جملة خبرية.
وقال الطبري (٢) : إن في ضمنه أمر عباده أن يثنوا به عليه ، فكأنه قال : قولوا الحمد لله ، وعلى هذا يجيء «قولوا إياك» فعلى هذه العبارة يكون من المصادر النائبة عن الطلب لا الخبر ، وهو محتمل للوجهين ، ولكن كونه خبريا أولى من كونه طلبيا ، ولا يجوز إظهار هذا الناصب لئلا يجمع بين البدل والمبدل منه.
والثاني : أنه منصوب على المفعول به أي اقرأوا الحمد ، أو اتلوا الحمد ، كقولهم : «اللهم ضبعا وذئبا» أي : اجمع ضبعا ، والأول أحسن للدلالة اللفظية. وقراءة الرفع أمكن وأبلغ من قراءة النصب ، لأن الرفع في باب المصادر التي أصلها النيابة عن أفعالها يدل على الثبوت والاستقرار ، بخلاف النصب فإنه يدل على التجدد والحدوث ، ولذلك قال العلماء : إن جواب خليل الرحمن عليهالسلام في قوله تعالى حكاية عنه : (قالَ : سَلامٌ)(٣) أحسن من قول الملائكة : (قالُوا : سَلاماً) امتثالا لقوله تعالى : (فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها)(٤).
و «لله» على قراءة النصب يتعلق بمحذوف لا بالمصدر ، لأنها للبيان تقديره : أعني لله كقولهم سقيا له ، ورعيا لك ، تقديره : أعني له ولك ، ويدل على أن اللام تتعلق في هذا النوع بمحذوف لا بنفس المصدر أنهم لم يعملوا المصدر المتعدي في المجرور باللام فينصبوه فيقولوا : سقيا زيدا ، ولا رعيا عمرا ، فدل على أنه ليس معمولا للمصدر ، ولذلك غلط من جعل قوله تعالى : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ) من باب الاشتغال ، لأن «لهم» لم يتعلق بتعسا كما مر. ويحتمل أن يقال : إن اللام في (سقيا لك) ونحوه مقوية لتعدية العامل لكونه فرعا عاملا فيما بعده.
وقرئ أيضا بكسر الدال (٥) ، ووجهه أنها حركة اتباع لكسرة لام الجر بعدها ، وهي لغة تميم ، وبعض غطفان يتبعون الأول للثاني للتجانس.
ومنه : «اضرب الساقين أمك هابل» (٦) بضم نون التثنية لأجل ضم الهمزة ومثله :
|
٣٨ ـ ويلمّها في هواء الجوّ طالبة |
|
ولا كهذا الّذي في الأرض مطلوب (٧) |
__________________
(١) انظر البحر المحيط (١ / ١٨).
(٢) محمد بن جرير بن يزيد الطبري أبو جعفر المفسر المؤرخ الإمام صاحب التفسير والتاريخ واختلاف الفقهاء ، توفي سنة ٣١٠ ه. إرشاد الأريب (٦ / ٤٢٣) ، ابن السبكي (٢ / ١٣٥) ، البداية والنهاية (١١ / ١٤٥) ، تذكرة الحفاظ (٢ / ٣٥١).
(٣) سورة هود ، آية (٦٩).
(٤) سورة النساء ، آية (٨٦).
(٥) ابن خالويه (١).
(٦) انظر الكتاب (٤ / ١٤٦). وانظر الخصائص (٢ / ١٤٥) ، شرح شواهد الشافية (١٧٩) ، القرطبي (١ / ١٣٦) ، والهابل من هبلته أمه ، أي : ثكلته وعدمته.
(٧) البيت لامرىء القيس (٤٧) ، شرح المفصل لابن يعيش (٢ / ١١٤) ، سر الصناعة (١ / ٢٤٠) ، رصف المباني (٤٣) ، ذكر الأعلم أن الكاف في قوله : «ولا كهذا» في تأويل «مثل» ، وأن موضعها موضع رفع ، وأن قوله : «مطلوب» في آخر البيت عطف على موضع الكاف أي : فالكاف هي خبر لا واسمها محذوف وكأنه قال : لا شيء مثل هذا وتقديره كالتقدير في قولك : «لا كزيد رجل» فإنه بمعنى : لا رجل مثل زيد رجل ، وامرؤ القيس يصف في هذا البيت عقابا تتبع ذئبا ليصيده فتعجب منها في شدة طلبها ومنه في سرعته وهروبه وأراد أن يقول ويل أمها فأسقط ـ
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)