و «إذ» لا تجرّ ب «من».
الثاني : أنه ولو كانت «إذ» من الظروف التي تجرّ ب «من» كوقت وحين لم يصحّ ذلك أيضا ، لأنّ العامل في «من بعد» محذوف فإنه حال تقديره : كائنين من بعد ، ولو قلت : كائن من حين قالوا لنبيّ لهم ابعث لنا ملكا لم يصحّ هذا المعنى. وأمّا الثاني فلأنه تقدّم أن معنى «ألم تر» تقرير للنفي ، والمعنى : ألم ينته علمك ، أو قد نظرت إلى الملأ ، وليس انتهاء علمه إليهم ولا نظره إليهم كان في وقت قولهم ذلك ، وإذا لم تكن ظرفا للانتهاء ولا للنظر فكيف تكون معمولا لهما أو لأحدهما؟.
وإذ قد بطل هذان الوجهان فلا بدّ له من عامل يصحّ به المعنى وهو محذوف ، تقديره : ألم تر إلى قصة الملأ أو حديث الملأ أو ما في معناه ؛ وذلك لأنّ الذوات لا يتعجّب منها ، إنما يتعجّب من أحداثها ، فصار المعنى : ألم تر إلى ما جرى للملأ من بني إسرائيل إلى آخرها ، فالعامل هو ذلك المجرور ، ولا يصحّ إلا به لما تقدّم.
قوله : (لِنَبِيٍ) متعلّق ب «قالوا» ، فاللام فيه للتبليغ ، و «لهم» متعلق بمحذوف لأنه صفة لنبي ، ومحلّه الجرّ ، و «ابعث» وما في حيّزه في محلّ نصب بالقول. و «لنا» الظاهر أنه متعلّق ب «ابعث» ، واللام للتعليل أي : لأجلنا.
قوله : (نُقاتِلْ) الجمهور بالنون والجزم على جواب الأمر. وقرئ بالياء والجزم على ما تقدّم ، وابن أبي عبلة بالياء ورفع اللام على الصفة ل «ملكا» ، فمحلّها النصب. وقرئ بالنون ورفع اللام على أنها حال من «لنا» فمحلّها النصب أيضا أي : ابعثه لنا مقدّرين القتال ، أو على أنها استئناف جواب لسؤال مقدّر كأنه قال لهم : ما يصنعون بالملك؟ فقالوا نقاتل.
قوله : (هَلْ عَسَيْتُمْ) عسى واسمها ، وخبرها «أن لا تقاتلوا» والشرط معترض بينهما ، وجوابه محذوف للدلالة عليه ، وهذا كما توسّط في قوله : (وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ)(١) ، وهذا على رأي من يجعل «عسى» داخلة على المبتدأ والخبر ، ويقول إنّ «أن» زائدة لئلا يخبر بالمعنى عن العين. وأمّا من يرى أنّها تضمّن معنى فعل متعد فيقول : «عسيتم» فعل وفاعل ، و «أن» وما بعدها مفعول به تقديره : هل قاربتم عدم القتال ، فهي عنده ليست من النواسخ ، والأول هو المشهور.
وقرأ نافع «عسيتم» هنا وفي القتال (٢) : بكسر السين ، وهي لغة مع تاء الفاعل مطلقا ومع نا ، ومع نون الإناث نحو : عسينا وعسين ، وهي لغة الحجاز ، ولهذا غلط من قال : «عسى تكسر مع المضمر» وأطلق ، بل كان ينبغي له أن يقيّد الضمير بما ذكرت ، إذ لا يقال : الزيدان عسيا والزيدون عسيوا بالكسر البتة.
وقال الفارسي : «ووجه الكسر قول العرب : «هو عس بكذا» مثل : حر وشج ، وقد جاء فعل وفعل في نحو : نقم ونقم ، فكذلك عسيت وعسيت ، فإن أسند الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم ـ أي بالكسر ـ أن يقال : «عسي زيد» مثل : «رضي زيد». فإن قيل فهو القياس ، وإن لم يقل فسائغ أن يؤخذ باللغتين ، فتستعمل إحداهما موضع
__________________
(١) سورة محمد ، آية (٢٢).
(٢) سورة الإنسان ، آية (١).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)