المنصوب وكذلك : ما ضرب القوم أحدا إلا بعضهم بعضا. وقال أبو بكر بن السراج : تقول : «أعطيت الناس درهما إلا عمرا» جائز. ولو قلت : «أعطيت الناس درهما إلا عمرا الدنانير» لم يجز ، لأنّ الحرف لا يستثنى به إلا واحد. فإن قلت : «ما أعطيت الناس درهما إلا عمرا دانقا» على الاستثناء لم يجز ، أو على البدل جاز فتبدل «عمرا» من الناس ، و «دانقا» من «درهما». كأنك قلت : «ما أعطيت إلا عمرا دانقا» يعني أنّ الحصر واقع في المفعولين.
قال بعض المحققين : «وما أجازه ابن السراج من البدل في هذه المسألة ضعيف ، وذلك أنّ البدل في الاستثناء لا بدّ من مقارنته ب «إلّا» ، فأشبه العطف ، فكما أنه لا يقع بعد حرف العطف معطوفان لا يقع بعد «إلّا» بدلان».
فإذا عرف هذا الأصل وما قال الناس فيه كان إعراب أبي البقاء في هذه الآية الكريمة من هذا الباب ، وذلك أنه استثناء مفرّغ ، وقد وقع بعد «إلّا» الفاعل وهو «الذين» ، والجارّ والمجرور وهو «من بعد» ، والمفعول من أجله وهو «بغيا» فيكون كلّ منهما محصورا. والمعنى : وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه إلّا من بعد ما جاءتهم البينات إلا بغيا. وإذا كان التقدير كذلك فقد استثني ب «إلّا» شيئان دون الأول الذي هو فاعل من غير عطف ولا بدلية. وإنما استوفيت الكلام في هذه المسألة لكثرة دورها.
قوله : (بَغْياً) في نصبه وجهان :
أظهرهما : أنه مفعول من أجله لاستكمال الشروط ، وهو علة باعثة. والعامل فيه مضمر على ما اخترناه ، وهو الذي تعلّق به «فيه» و «اختلف» الملفوظ به عند من يرى أنّ «إلّا» يستثنى بها شيئان.
والثاني : أنه مصدر في محلّ حال أي : باغين ، والعامل فيها ما تقدّم. و «بينهم» متعلق بمحذوف لأنه صفة ل «بغيا». أي : بغيا كائنا بينهم.
قوله : (لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) «لما» متعلّق ب «هدى» وما موصولة ، والضمير في «اختلفوا» عائد على «الذين أوتوه» ، وفي «فيه» عائد على «ما» وهو متعلّق ب «اختلف».
و (مِنَ الْحَقِ) متعلّق بمحذوف لأنه في موضع الحال من «ما» في «لما». و «من» يجوز أن تكون للتبعيض وأن تكون للبيان عند من يرى ذلك تقديره : الذي هو الحق. وأجاز أبو البقاء أن يكون «من الحق» حالا من الضمير في «فيه» والعامل فيها «اختلفوا». وزعم الفراء أنّ في الكلام قلبا والأصل : «فهدى الله الذين آمنوا للحقّ ممّا اختلفوا» واختاره الطبري. وقال ابن عطية : «ودعاه إلى هذا التقدير خوف أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحقّ ، فهدى الله المؤمنين لبعض ما اختلفوا فيه ، وعساه أن يكون غير حق في نفسه» قال : «والقلب في كتاب الله دون ضرورة تدفع إليه عجز وسوء فهم» انتهى. قلت : وهذا الاحتمال الذي جعله ابن عطية حاملا للفراء على ادعاء القلب لا يتوهّم أصلا.
قوله : (بِإِذْنِهِ) فيه وجهان :
أحدهما : أن يتعلّق بمحذوف لأنه حال من (الَّذِينَ آمَنُوا) أي : مأذونا لهم.
والثاني : أن يكون متعلقا بهدى مفعولا به ، أي : هداهم بأمره.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)