والنذارة في قوله : (أَأَنْذَرْتَهُمْ)(١) (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا)(٢).
قوله : (مَعَهُمُ) هذا الظرف فيه وجهان :
أحدهما : أنه متعلق بأنزل. وهذا لا بدّ فيه من تأويل ، وذلك أنه يلزم من تعلّقه بأنزل أن يكون النبيون مصاحبين للكتاب في الإنزال ، وهم لا يوصفون بذلك لعدمه فيهم. وتأويله أنّ المراد بالإنزال الإرسال ، لأنه مسبّب عنه ، كأنه قيل : وأرسل معهم الكتاب فتصحّ مشاركتهم له في الإنزال بهذا التأويل.
والثاني : أن يتعلّق بمحذوف على أنه حال من الكتاب ، وتكون حالا مقدرة أي : وأنزل مقدّرا مصاحبته إياهم ، وقدّره أبو البقاء بقوله : «شاهدا لهم ومؤيّدا» ، وهذا تفسير معنى لا إعراب.
والألف واللام في «الكتاب» يجوز أن تكون للعهد بمعنى أنه كتاب معين كالتوراة مثلا ، فإنها أنزلت على موسى وعلى النبيين بعده ، بمعنى أنّهم حكموا بها ، واستداموا على ذلك ، وأن تكون للجنس ، أي : أنزل مع كلّ واحد منهم من هذا الجنس. وقيل : هو مفرد وضع موضع الجمع ، أي : وأنزل معهم الكتب وهو ضعيف.
وهذه الجملة معطوفة على قوله : «فبعث» لا يقال : البشارة والنّذارة ناشئة عن الإنزال فكيف قدّما عليه؟ لأنا لا نسلّم أنّهما إنما يكونان بإنزال كتاب ، بل قد يكونان بوحي من الله تعالى غير متلوّ ولا مكتوب. ولئن سلّمنا ذلك ، فإنّما قدّما لأنهما حالان من «النبيين» فالأولى اتّصالهما بهم.
قوله : (بِالْحَقِ) فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يكون متعلّقا بمحذوف على أنه حال من الكتاب أيضا عند من يجوّز تعدّد الحال وهو الصحيح.
والثاني : أن يتعلّق بنفس الكتاب لما فيه من معنى الفعل ، إذ المراد به المكتوب.
والثالث : أن يتعلّق بأنزل ، وهذا أولى لأنّ جعله حالا لا يستقيم إلا أن يكون حالا مؤكدة ، إذ كتب الله تعالى لا تكون ملتبسة بالحقّ ، والأصل فيها أن تكون منتقلة ، ولا ضرورة بنا إلى الخروج عن الأصل ، ولأنّ الكتاب جار مجرى الجوامد.
قوله : (لِيَحْكُمَ) هذا الجارّ متعلق بقوله : «أنزل» واللام للعلة ، وفي الفاعل المضمر في «ليحكم» ثلاثة أقوال :
أحدها : وهو أظهرها ، أنه يعود على الله تعالى لتقدّمه في قوله : (فَبَعَثَ اللهُ) ولأنّ نسبة الحكم إليه حقيقة ، ويؤيّده قراءة الجحدري (٣) فيما نقله عنه مكي : «لنحكم» بنون العظمة ، وفيه التفات من الغيبة إلى التكلّم. وقد ظنّ ابن عطية أن مكيا غلط في نقل هذه القراءة عنه وقال : «إنّ الناس رووا عن الجحدري : «ليحكم» على بناء الفعل للمفعول» ولا ينبغي أن يغلّطه لاحتمال أن يكون عنه قراءتان.
والثاني : أنه يعود على «الكتاب» أي : ليحكم الكتاب ، ونسبة الحكم إليه مجاز كنسبة النطق إليه في قوله
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (٦).
(٢) سورة البقرة ، آية (٢٥).
(٣) عاصم بن العجاج الجحدري روى عنه عيسى بن عمر توفي سنة ١٢٨ ه غاية النهاية (١ / ٣٤٩).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)