المبحث الثاني
السمين الحلبي ومذهبه النحوي
عرض السمين الحلبي في كتابه كثيرا من آراء الكوفيين كما ذكر كثيرا من آراء البصريين ومن خلال تلك الصحبة التي ليست بالقصيرة تبين لي أنّ صاحبنا «السمين الحلبي» كان اتجاهه يتمشى مع الاتجاه البصري ، ينزع منزع البصريين وينهج منهجهم ويقتفي أثرهم.
وهذا الحكم ببصريته نشأ عن مقدمات :
منها ، وعند قوله تعالى : (... إِنِّي أَنَا رَبُّكَ)(١) قوله : «إنّي» قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالفتح على تقدير الباء أي بأني لأن النداء يوصل بها تقول ناديته بكذا. قال الشاعر :
|
ناديت باسم ربيعة بن مكرّم |
|
إنّ المنوه باسمه الموثوق |
وجوز ابن عطية أن تكون بمعنى لأجل وليس بظاهر والباقون بالكسر إما على إضمار القول كما هو رأي البصريين.
وإما لأنّ النداء في معنى القول عند الكوفيين.
ومنها عند قوله تعالى : (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى)(٢). قال السمين : ما مبتدأة استفهامية وتلك خبره وبيمينك متعلق بمحذوف لأنّه حال كقوله : (وَهذا بَعْلِي شَيْخاً) ، والعامل في الحال المقدرة معنى الإشارة ، وجوز الزمخشري أن تكون تلك موصولة بمعنى التي وبيمينك صلتها ولم يذكر ابن عطية غيره. وهذا ليس مذهب البصريين لأنّهم لم يجعلوا من أسماء الإشارة موصولا إلا إذا بشروط ذكرتها أول هذا الكتاب (٣). وأما الكوفيون فيجيزون ذلك في جميعها ومنه هذه الآية عندهم ، أي وما التي بيمينك وأنشدوا أيضا :
أجنيت وهذا تحملين طليق (٤)
أي والذين تحملين.
وصف نسخ المخطوط :
إن الغرض الأساسي من تحقيق أي كتاب هو إخراجه إلى النور على وفق ما أراد مصنفه.
__________________
(١) سورة طه ، آية (١٢).
(٢) سورة طه ، آية (١٧).
(٣) من هذه الشروط أن لا تكون للإشارة ، وإلا تكون ملغاة ، وذلك بتقديرها مركبة مع ما في نحو «ما ذا صنعت ، وأن يتقدمها استفهام ب «ما» باتفاق ، أو ب «من» على الأصح». ينظر في ذلك أوضح المسالك ١ / ١٥٧ ، ١٥٨.
(٤) انظر ص ١٩ ـ ٢٠ من التحقيق.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)