عند قوله تعالى : (... وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)(١) يجوز أن تكون المصدرية مضافا لفاعله أي لأني ذكرتها في الكتب أو لأني أذكرك ويجوز أن تكون مضافا لمفعوله أي لأن تذكرني وقيل معناها ذكر الصلاة بعد نسيانها لقوله عليهالسلام : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها».
فالسمين الحلبي يستشهد بالحديث النبوي الشريف استئناسا لمعنى من وجوه المعاني في هذه الآية الكريمة.
وعند قوله تعالى : (... أَنْ يَفْرُطَ.) ..(٢) يقال : فرط يفرط سبق وتقدم منه الفارط وهو الذي يتقدم الواردة إلى الماء ... ومن ورود الفارط بمعنى المتقدم على الواردة قوله :
|
واستعجلونا وكانوا من صحابتنا |
|
كما تقدّم فرّاط (لورّاد) |
وفي الحديث : (أنّا فرطكم على الحوض) أي سابقكم ومتقدمكم.
فهو يستشهد بالحديث استئناسا بمعناه على معنى : «أن يفرط» في الآية الكريمة.
وقد يستشهد بالحديث على بيان معنى لغوي كما جاء في قوله تعالى : (... يَكْلَؤُكُمْ.) ..(٣) والكلاءة الحفظ يقال : كلأه الله يكلؤه كلاءة بالكسر كذا ضبطه الجوهري فهو كالئ ومكلوء ، واكتلأت منه احترست ومنه سمى النبات كلأ لأنّ به تقوم بنية البهائم (٤) ، ويقال : بلّغ الله بك أكلأ العمر والمكلأ موضع تحفظ فيه السفن ، وفي الحديث : (نهى عن بيع الكالئ بالكالئ) أي بيع الدين بالدين.
هذا وقد استشهد المؤلف بالحديث في مواضع أخرى قد تربو على عشرة مواضع كما ورد في قسم التحقيق.
ج ـ الاستشهاد بالشواهد الشعرية :
من المعلوم لنا من خلال كتب النحاة أنّ الشاهد ، هو ذلك القول الذي صار مثالا للقاعدة ، وقد يتنوع ذلك الشاهد ما بين آيات قرآنية أو أحاديث نبوية ، وقد رأينا فيما سبق موقف السمين خاصة من تلك الشواهد وموقف النحاة عامة وما دار بينهم من خلاف ، أو أبيات شعرية. فما من كتاب ألف في النحو أو في إعراب القرآن الكريم إلّا ورأينا حل أمثلته من الشعر. وذلك كما يقول صاحب الاقتراح في كتابه : اعتمد في العربية على أشعار العرب وهم كفار لبعد التدليس فيها كما اعتمد في الطب وهو في الأصل مأخوذ من قوم كفار كذلك ، فعلم أن العربي الذي يحتج بقوله لا يشترط فيه العدالة نعم تشترط في راوي ذلك (٥).
وكتاب «الدّر المصون» يزخر بقدر كبير من شواهد اللغة وشواهد البلاغة وشواهد للاستئناس للمعنى فإنّ القارئ أو الباحث فيه ليجد الشاهد النحوي غزيرا متعددا حتى رأينا أنّه يأنى في الصفحة الواحدة بأكثر من شاهد وكتابه شاهد صدق على ما نقول ومن أمثلة ذلك :
عند قوله تعالى : (.. وَما تَحْتَ الثَّرى)(٦) قال السمين : الثّرى هو التّراب النّديّ ولامه ياء بدليل تثنيته على ثريين ، وقولهم : ثريت الأرض تثرى والثّرى يستعمل في انقطاع المودة.
__________________
(١) سورة طه ، آيه (١٤).
(٢) سورة طه ، آية (٤٥).
(٣) سورة الأنبياء ، آية (٤٢).
(٤) الصحاح ١ / ٦٩ ، واللسان ٥ / ٣٩٠٩.
(٥) الاقتراح ٥٩ ـ ٦٠.
(٦) سورة طه ، آية (٦).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)