وظاهر كلام أبي البقاء أن نصبه على المصدر بفعل محذوف ، فإنّه قال : «إلا أمانيّ» استثناء منقطع ، لأنّ الأمانيّ ليس من جنس العلم ، وتقدير «إلّا» في مثل هذا ب «لكن» ، أي : لكن يتمنّونه أمانيّ ، فيكون عنده من باب الاستثناء المفرّغ المنقطع ، فيصير نظير : «ما علمت إلا ظنا» وفيه نظر.
والأمانيّ جمع أمنيّة بتشديد الياء فيهما. وقال أبو البقاء : «يجوز تخفيفها فيهما». وقرأ أبو جعفر بتخفيفها ، حذف إحدى الياءين ، تخفيفا ، قال الأخفش : «هذا كما يقال في جمع مفتاح : مفاتح ومفاتيح» ، قال النحاس : «الحذف في المعتلّ أكثر» وأنشد قول النابغة :
|
٥٦١ ـ وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى |
|
ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع (١) |
وقال أبو حاتم : «كلّ ما جاء واحده مشدّدا من هذا النوع فلك في الجمع الوجهان» وأصله يرجع إلى ما قال الأخفش. ووزن أمنيّة : أفعولة من منّى يمنّي إذا تلا وقرأ ، قال :
|
٥٦٢ ـ تمنّى كتاب الله آخر ليله |
|
تمنّي داود الزبور على رسل (٢) |
وقال كعب بن مالك :
|
٥٦٣ ـ تمنّى كتاب الله أوّل ليله |
|
وآخره لاقى حمام المقادر (٣) |
وقال تعالى : (إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)(٤) ، أي : قرأ وتلا ، فالأصل على هذا : أمنوية ، فاعتلّت اعتلال ميّت وسيّد ، وقد تقدّم. وقيل : الأمنيّة الكذب والاختلاق. وقيل ما يتمنّاه الإنسان ويشتهيه. وقيل : ما يقدّره ويحزره من منّى إذا كذب أو تمنّى أو قدّر ، كقوله :
|
٥٦٤ ـ لا تأمننّ وإن أمسيت في حرم |
|
حتى تلاقي ما يمني لك الماني (٥) |
أي : يقدّر لك المقدّر. وقال الراغب : «والمني القدر ، ومنه «المنا» الذي يوزن به ، ومنه : المنيّة وهو الأجل المقدّر للحيوان ، والتمنّي : تقدير شيء في النفس وتصويره فيها ، وذلك قد يكون عن ظنّ وتخمين ، وقد يكون بناء على رويّة وأصل ، لكن لمّا كان أكثره عن تخمين كان الكذب أملك له ، فأكثر التمنّي تصوّر ما لا حقيقة له ، والأمنية : الصورة الحاصلة في النفس من تمنّي الشيء ، ولمّا كان الكذب تصوّر ما لا حقيقة له وإيراده باللفظ صار التمنّي كالمبدأ للكذب فعبّر به عنه ، ومنه قول عثمان رضي الله عنه : «ما تغنّيت ولا تمنّيت منذ أسلمت». وقال الزمخشري : «والاشتقاق من منّى إذا قدّر ، لأن المتمنّي يقدّر في نفسه ويحزر ما يتمنّاه ، وكذلك المختلق ، والقارئ يقدّر أنّ كلمة كذا بعد كذا» فجعل بين هذه المعاني قدرا مشتركا وهو واضح.
قوله : (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) «إن» نافية بمعنى ما ، وإذا كانت نافية فالمشهور أنها لا تعمل عمل «ما» الحجازية ، وأجاز بعضهم ذلك ونسبه لسيبويه وأنشدوا :
__________________
(١) البيت لذي الرمة انظر ديوانه (١٢٧٤) وليس للنابغة وانظر المقتضب (٢ / ١٧٦) ، الأشموني (١ / ١٨٧) ، المخصص (١٧ / ١٠٠) ، الهمع (٢ / ١٥٠) ، الدرر (٢ / ٢٠٦).
(٢) البيت من شواهد القرطبي (٢ / ٦) ، وهو في اللسان (منى).
(٣) انظر المحرر الوجيز (١ / ٣٣٠).
(٤) سورة الحج ، آية (٥٢).
(٥) البيت لسويد بن عامر وهو في اللسان والتاج منى ، والقرطبي (٢ / ٦).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)