جائز أن يريد أبو البقاء أنه دالّ على الجواب وسمّاه جوابا مجازا ، لأنه جعل ذلك مذهبا للمبرد مقابلا لمذهب سيبويه ، فقال : «وقال المبرد : الجواب محذوف دلّت عليه الجملة ، لأنّ الشرط معترض فالنية به التأخير ، فيصير كقولك : «أنت ظالم إن فعلت» وهذا الذي نقله عن المبرد هو المنقول عن سيبويه ، والذي نقله عن سيبويه قريب مما نقل عن الكوفيين وأبي زيد من أنه يجوز تقديم جواب الشرط عليه ، وقد ردّ عليهم البصريون بقول العرب : «أنت ظالم إن فعلت» إذ لو كان جوابا لوجب اقترانه بالفاء لما ذكرت لك. وأصل «مهتدون» مهتديون ، فأعلّ بالحذف ، وهو واضح مما تقدّم.
قوله تعالى : (لا ذَلُولٌ) : المشهور «ذلول» بالرفع على أنها صفة لبقرة ، وتوسّطت «لا» للنفي كما تقدّم في «لا فارض» ، أو على أنها خبر مبتدأ محذوف ، أي : لا هي ذلول. والجملة من هذا المبتدأ والخبر في محلّ رفع صفة لبقرة. وقرئ : «لا ذلول» (١) بفتح اللام على أنها «لا» التي للتبرئة والخبر محذوف ، تقديره : لا ذلول ثمّ ، أو ما أشبهه ، وليس المعنى على هذه القراءة ، ولذلك قال الأخفش : «لا ذلول نعت ولا يجوز نصبه». والذلول : التي ذلّلت بالعمل ، يقال : بقرة ذلول بيّنة الذّل بكسر الذال ، ورجل ذليل بيّن الذّل بضمها ، وقد تقدّم عند قوله «الذّلّة».
قوله : (تُثِيرُ الْأَرْضَ) في هذه الجملة أقوال كثيرة ، أظهرها أنها في محلّ نصب على الحال من الضمير المستكنّ في «ذلول» تقديره : لا تذلّ حال إثارتها الأرض. وقال ابن عطية : «وهي عند قوم جملة في موضع الصفة لبقرة ، أي : لا ذلول مثيرة ، وقال أيضا : ولا يجوز أن تكون هذه الجملة في موضع الحال لأنها من نكرة» ، أمّا قوله : «في موضع الصفة» فإنه يلزم منه أنّ البقرة كانت مثيرة للأرض ، وهذا لم يقل به الجمهور ، بل قال به بعضهم ، وسيأتي بيانه قريبا. وأمّا قوله : «لا يجوز أن تكون حالا يعني من «بقرة» لأنها نكرة. فالجواب : أنّا لا نسلّم أنها حال من بقرة ، بل من الضمير في «ذلول» كما تقدّم شرحه ، أو نقول : بل هي حال من النكرة قد وصفت وتخصّصت بقوله «لا ذلول» وإذا وصفت النكرة ساغ إتيان الحال منها اتفاقا. وقيل : إنها مستأنفة ، واستئنافها على وجهين :
أحدهما : أنها خبر لمبتدأ محذوف أي : هي تثير.
والثاني : أنها مستأنفة بنفسها من غير تقدير مبتدأ ، بل تكون جملة فعلية ابتدئ بها لمجرد الإخبار بذلك.
وقد منع من القول باستئنافها جماعة ، منهم الأخفش علي بن سليمان ، وعلّل ذلك بوجهين :
أحدهما : أنّ بعده «ولا تسقي الحرث» فلو كان مستأنفا لما صحّ دخول «لا» بينه وبين الواو.
الثاني : أنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذلّلتها ، والله تعالى نفى عنها ذلك بقوله : لا ذلول. انتهى. وهذا المعنى هو الذي منعت به أن يكون «تثير» صفة لبقرة لأن اللازم مشترك ، ولذلك قال أبو البقاء : «ويجوز على قول من أثبت هذا الوجه ـ يعني كونها تثير ولا تسقي ـ أن تكون تثير في موضع رفع صفة لبقرة». وقد أجاب بعضهم عن الوجه الثاني بأن إثارة الأرض عبارة عن مرحها ونشاطها كما قال امرؤ القيس :
|
٥٤٩ ـ يهيل ويذري تربه ويثيره |
|
إثارة نبّاث الهواجر مخمس (٢) |
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (٦١).
(٢) البيت في ديوانه (١٠٢) ، القرطبي (١ / ٤٥٣).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)