والبدل بمعنى واحد ، وبدّله غيره. ويقال : بدل وبدل كشبه وشبه ومثل ومثل ونكل ونكل ، قال أبو عبيدة : «لم يسمع في فعل وفعل غير هذه الأحرف».
قوله : «من السماء» يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون متعلّقا بأنزلنا ، و «من» لابتداء الغاية ، أي : من جهة السماء ، وهذا الوجه هو الظاهر.
والثاني أن يكون صفة ل «رجزا» ، فيتعلق بمحذوف و «من» أيضا لابتداء الغاية. وقوله : «على الذين ظلموا» فأعادهم بذكرهم أولا ، ولم يقل «عليهم» تنبيها على أنّ ظلمهم سبب في عقابهم ، وهو من إيقاع الظاهر موقع المضمر لهذا الغرض. وإيقاع الظاهر موقع المضمر على ضربين : ضرب يقع بعد تمام الكلام كهذه الآية ، وقول الخنساء :
|
٤٩٢ ـ تعرّقني الدّهر نهسا وحزّا |
|
وأوجعني الدّهر قرعا وغمزا (١) |
أي : أصابتني نوائبه جمع ، وضرب يقع في كلام واحد نحو قوله : (الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ)(٢). وقول الآخر :
|
٤٩٣ ـ ليت الغراب غداة ينعب دائبا |
|
كان الغراب مقطّع الأوداج (٣) |
وقد جمع عديّ بن زيد بين المعنيين فقال :
|
٤٩٤ ـ لا أرى الموت يسبق الموت شيء |
|
نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا (٤) |
وجاء في سورة الأعراف (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ)(٥) فجاء هنا بلفظ الإرسال وبالمضمر دون الظاهر ، وذلك أنه تعالى عدّد عليهم في هذه السورة نعما جسيمة كثيرة فكان توجيه الذمّ عليهم وتوبيخهم بكفرانها أبلغ من ثمّ ، حيث إنه لم يعدّد عليهم هناك ما عدّد هنا ، ولفظ الإنزال للعذاب أبلغ من لفظ الإرسال.
والرّجز : العذاب ، وفيه لغة أخرى وهي ضمّ الراء ، وقرئ بهما (٦) وقيل : المضموم اسم صنم ، ومنه : (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ)(٧) وذلك لأنه سبب العذاب. وقال الفراء : «الرّجز والرّجس ـ بالزاي والسين ـ بمعنى كالسّدغ والزّدغ ، والصحيح أن الرّجز : القذر وسيأتي بيانه ، والرّجز داء يصيب الإبل فترتعش منه ، ومنه بحر الرّجز في الشعر».
قوله : (بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) متعلّق ب «أنزلنا» والباء للسببية و «ما» يجوز أن تكون مصدرية ، وهو الظاهر أي : بسبب فسقهم ، وأن تكون موصولة اسمية ، والعائد محذوف على التدريج المذكور في غير موضع ، والأصل يفسقونه ولا يقوى جعلها نكرة موصوفة ، وقال في سورة الإعراف : (يَظْلِمُونَ)(٨) تنبيها على أنهم جامعون بين هذين
__________________
(١) البيت في الديوان (١٤٣) ، أمالي الشجري (١ / ٢٤١) ، والحماسة الشجرية (١ / ٣٢٣) ، القرطبي (١ / ٤١٦).
(٢) سورة الحاقة ، آية (١).
(٣) البيت لجرير انظر ديوانه وروايته فيه :
|
ينعب بالنوى ... |
|
............... |
أمالي ابن الشجري (١ / ٢٤٣) ، الطبري (٢ / ٣٩٦).
(٤) انظر ديوانه (٦٥) ، وهو من شواهد الكتاب (١ / ٣٠) ، الخصائص (٣ / ٥٣) ، أمالي ابن الشجري (١ / ٣٣٤) ، الخزانة (١ / ١٨٣).
(٥) آية (١٣٣).
(٦) انظر (١ / ٤١٧).
(٧) سورة المدثر ، آية (٥).
(٨) سورة الأعراف ، آية (١٦٢).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)