|
٢٠٥ ـ ولمّا رأيت النّسر عزّ ابن داية |
|
وعشّش في وكريه جاش له صدري (١) |
لمّا جعل النّسر عبارة عن الشيب ، وابن داية وهو الغراب عبارة عن الشباب مجازا رشّحه بقوله : «وعشّش في وكريه» ، وقول الآخر :
|
٢٠٦ ـ فما أمّ الرّدين وإن أدلّت |
|
بعالمة بأخلاق الكرام |
|
إذا الشّيطان قصّع في قفاها |
|
تنقّفناه بالحبل التّؤام (٢) |
لمّا قال : «قصّع في قفاها» أي دخل من القاصعاء ـ وهي جحر من جحرة اليربوع ـ رشحه بقوله : «تنقفناه» أي : أخرجناه من النافقاء ، وهي أيضا من جحرة اليربوع.
قوله تعالى : (وَما كانُوا مُهْتَدِينَ) : هذه الجملة معطوفة على قوله : (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) ، والرّبح : الزيادة على رأس المال ، والمهتدي : اسم فاعل من اهتدى ، وافتعل هنا للمطاوعة ، ولا يكون افتعل للمطاوعة إلا من فعل متعد. وزعم بعضهم (٣) أنه يجيء من اللازم ، واستدلّ على ذلك بقول الشاعر :
|
٢٠٧ ـ حتّى إذا اشتال سهيل في السّحر |
|
كشعلة القابس ترمي بالشّرر (٤) |
قال : «فاشتال افتعل لمطاوعة «شال» وهو لازم» وهذا وهم من هذا القائل ، لأن افتعل هنا ليس للمطاوعة ، بل لمعنى فعل المجرد.
(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ)(١٧)
قوله تعالى : (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً) : (مَثَلُهُمْ) مبتدأ و (كَمَثَلِ) : جار ومجرور خبره ، فيتعلّق بمحذوف على قاعدة الباب ، ولا مبالاة بخلاف من يقول (٥) : إن كاف التشبيه لا تتعلّق بشيء ، والتقدير مثلهم مستقر كمثل وأجاز أبو البقاء وابن عطية أن تكون الكاف اسما هي الخبر ، ونظّره بقول الشاعر :
|
٢٠٨ ـ أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط |
|
كالطّعن يذهب فيه الزّيت والفتل (٦) |
وهذا مذهب الأخفش : يجيز أن تكون الكاف اسما مطلقا. وأما مذهب سيبويه فلا يجيز ذلك إلا في شعر ، وأمّا تنظيره بالبيت فليس كما قال ، لأنّا في البيت نضطر إلى جعلها اسما لكونها فاعلة ، بخلاف الآية. والذي ينبغي أن يقال : إنّ كاف التشبيه لها ثلاثة أحوال : حال يتعيّن فيها أن تكون اسما ، وهي ما إذا كانت فاعلة أو مجرورة بحرف أو إضافة. مثال الفاعل : «أتنتهون ولن ينهى» البيت ، ومثال جرّها بحرف قول امرئ القيس :
__________________
(١) البيت لابن المعتز ، وهو في ديوانه (٢ / ٤٣) ، والكشاف (٤ / ٣٩٤).
(٢) البيتان من شواهد الكشاف (٤ / ٥١٣).
(٣) انظر البحر (١ / ٦٣).
(٤) البيت في الممتع (١٩٣) ، المنصف (١ / ٧٥) ، البحر (١ / ٦٣).
(٥) وهو قول ابن عصفور.
(٦) البيت للأعشى. انظر ديوانه (٦٣) ، سر الصناعة (١ / ٢٨٣) ، شرح المفصل لابن يعيش (٨ / ٤٣) ، الخصائص (٢ / ٣٦٨) ، أمالي ابن الشجري (٢ / ٢٢٩) ، الخزانة (٤ / ١٣٢) ، الدرر (٢ / ٢٩) ، اللسان (دنا).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)