كذلك أنباء الغيب التى تحدّث بها القرآن ـ وهى كثيرة ـ يمكن إدراك وجه الإعجاز فيها بيسر وسهولة لكل منصف. اقرأ إن شئت فاتحة سورة الروم ، لتعرف كيف أخبر القرآن صراحة بأمر كان لا يزال مستترا في ضمائر الغيب ، بل كانت العوامل والظواهر لا تساعد عليه ، ذلك أنه أخبر في وقت انتصر فيه الفرس على الروم فى أدنى الأرض ، بأن الروم سيدال لهم على الفرس وينصرون في بضع سنين ؛ وكان كما قال.
ثم اقرأ قوله سبحانه مخاطبا لنبيه في موقف من مواقف الخصومة والمحاجّة بينه وبين أعدائه اليهود : (قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) وهذا من أبرز شواهد الإعجاز والتحدّى : إذ كيف يتسنّى لرجل عظيم في موقف من المواقف الفاصلة بينه وبين أعدائه ، أن يجرؤ على تحدّيهم بشيء هو من شأنهم وحدهم ، وكان في استطاعتهم عادة ، بل في استطاعة أقلّ واحد منهم ، أن يقول ولو ظاهرا : «إنى أتمنى الموت» ليظفروا بذلك التمنى على محمد صلىاللهعليهوسلم ، ويبطلوا به دعوته ، ويستريحوا منه على زعمهم. ولكن كل ذلك لم يكن ، فما تمنى أحد منهم الموت ، بل صرفوا وما زالوا مصروفين عنه أبدا ، ثم سجّل القرآن عليهم ما هو أبعد من ذلك ، إذ قال عقيب تلك الآية : (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ ، وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ) ا ه من سورة البقرة.
أليست تلك أدلة مادية قامت ولا تزال قائمة ، على أن محمدا صلوات الله وسلامه عليه كان مؤيدا بالوحى من ربه ، وأنه إنما يتلقى القرآن من لدن حكيم عليم؟.
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
