خلقه ؛ ورسوله إلى عباده ؛ وقال : إن آية صدقى فيما أدعيه ؛ أن يغيّر الله الذى أرسلنى عادة من عاداته على يدى ، وأن يخرج الآن عن سنّة من سننه العامة في وجوده ، ثم قال : وسيأتيكم الله بهذا الأمر العجاب من باب ترون أنكم فيه نابغون ، وعليه قادرون ، وإنى أتحدّاكم زرافات ووحدانا أن تأتوا بمثل هذه الآية ، وأمامكم الباب مفتوحا كما تعتقدون ، وفيكم النبوغ موفورا كما تدّعون ، ثم أنتم مجتمعون وأنا وحدى. قال ذلك بلغة الواثق ؛ وتحدّانا هذا التحدى الظاهر ، في وقت يثور فيه على عقائدنا وعاداتنا وأخلاقنا ، ويسفّه فيه أحلامنا وأحلام أمثالنا من آبائنا ، ونحن أحرص ما نكون على تعجيزه وتبهيته والغلبة عليه والظفر به ، دفاعا عن كرامتنا ، وانتصارا لأعز شىء لدينا.
ثم لم يلبث أن قام وقمنا ؛ وأجمع أمره وأجمعنا ، وإذا نحن جميعا بعد محاولات ومصاولات ؛ لم نستطع أن نأتى بمثل ما أتى به ، فضلا عن أعظم منه. مع أننا أمة وهو فرد. ومع أنه قد دخل علينا من أيسر الطرق في نظرنا ؛ ومن أشهر فنّ في زماننا ، ومع أنه قد أعطانا الفرصة الكافية لمناظرته ، وأنصفنا كلّ إنصاف من نفسه!! هل يشكّ ذو مسكة من عقل ، فى أن هذا الانسان المتفوّق الممتاز ، صادق في رسالته ، محق في دعايته؟ خصوصا إذا عرفنا فوق ذلك كله ، أنه نشأ فينا على الصدق والأمانة ومكارم الأخلاق ، من لدن صباه وطفولته ، إلى يوم مبعثه ورسالته!.
لو أنه جاء بالمعجزة من باب لا نعرفه ، لقلنا : رجل حذق فنا من الفنون التى لا علم لنا بها ، أو تعلّم صناعة من الصناعات التى لم نحط بخبرها. أمّا وقد جاءنا من الناحية التى نشهد لأنفسنا فيها بالفوق والسبق ، فلا يسعنا إلا الإذعان له ، والايمان بما جاء به ، ما دمنا منصفين.
ولنضرب لك مثلا : جاء موسى عليهالسلام بمعجزته عصا من الخشب ، لا روح
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
