بالرسول اتصالا يؤثّر به الأول في الثانى ، ويتأثّر فيه الثانى بالأول ، وذلك باستعداد خاص فى كليهما ، فالأول فيه قوة الإلقاء والتأثير ، لأنه روحانى محض ، والثانى فيه قابلية التلقى عن هذا الملك لصفاء روحانيته ، وطهارة نفسه المناسبة لطهارة الملك. وعند تسلّط الملك على الرسول ينسلخ الرسول عن حالته العادية ، ويظهر أثر التغير عليه ، ويستغرق في الأخذ والتلقى عن الملك ، وينطبع ما تلقّاه في نفسه ، حتى إذا انجلى عنه الوحى وعاد إلى حالته الأولى ، وجد ما تلقّاه ماثلا في نفسه ، حاضرا في قلبه ، كأنما كتب في صحيفة فؤاده كتابا.
أتظن ـ أيها القارئ الكريم ـ أن المخلوق يستطيع أن يؤثّر في نفس مخلوق آخر ذلك التأثير بواسطة التنويم المغناطيسى ، ثم لا يستطيع مالك القوى والقدر أن يؤثر في نفس من شاء من عباده بواسطة الوحى؟ كلا ثم كلا «إنّه على ما يشاء قدير».
«الدليل العلمى الثانى». أن العلم الحديث استطاع أن يخترع من العجائب ما نعرفه ونشاهده وننتفع به ، مما يسمونه التليفون ، واللاسلكى ، والميكرفون ، والراديو. وعن طريق أولئك أمكن الإنسان أن يخاطب من كان في آفاق بعيدة عنه وأن يفهمه ما شاء ويرشده إلى ما أراد. فهل يعقل بعد قيام هذه المخترعات المادية أن يعجز الإله القادر ، عن أن يوحى إلى بعض عباده ما شاء ، عن طريق الملك أو غير الملك؟. تعالى الله عما يقولون علوّا كبيرا.
«الدليل الثالث» استطاع العلم أيضا أن يملأ بعض أسطوانات من الجماد الجامد الجاهل ، بأصوات وأنغام ، وبقرآن وأغان وكلام ، على وجه يجعلها حاكية له بدقة وإتقان ، وبين أيدينا من ذلك شىء كثير لا سبيل إلى إنكاره يسمونه (بالفونغراف).
أبعد هذه المخترعات القائمة ، يستبعد على القادر تعالى بوساطة ملك ومن غير وساطة ملك ؛ أن يملأ بعض نفوس بشريّة صافية من خواصّ عباده ، بكلام مقدس
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
