ومن ذلك ما روى عن ابن مسعود أنه قال : جرّدوا القرآن ولا تخلطوه بشيء. وما روى عن ابن سيرين أنه كره النقط والفواتح والخواتم إلى غير ذلك.
ولكن الزمان تغيّر ـ كما علمت ـ فاضطر المسلمون إلى إعجام المصحف وشكله لنفس ذلك السبب أى للمحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف ، وخوفا من أن يؤدى تجرده من النقط والشكل إلى التغيير فيه.
فمعقول حينئذ أن يزول القول بكراهة ذينك الإعجام والشكل ، ويحلّ محلّه القول بوجوب أو باستحباب الإعجام والشكل. لما هو مقرر من أن الحكم يدور مع علّته وجودا وعدما. قال النووى في كتابه التبيان ما نصه : قال العلماء : ويستحب نقط المصحف وشكله ، فإنه صيانة من اللحن فيه. وأما كراهة الشعبى والنخعى النقط ، فإنما كرهاه في ذلك الزمان خوفا من التغيير فيه. وقد أمن ذلك اليوم فلا يمنع من ذلك لكونه محدثا ، فإنه من المحدثات الحسنة ، فلا يمنع منه كنظائره مثل تصنيف العلم وبناء المدارس والرباطات وغير ذلك. والله أعلم ا ه.
تجزئة القرآن :
كانت المصاحف العثمانية مجردة من التجزئة التى نذكرها ، كما كانت مجردة من النقط والشكل. ولما امتدّ الزمان بالناس جعلوا يفتنّون في المصاحف وتجزئتها عدّة تجزئات ، مختلفة الاعتبارات. فمنهم من قسم القرآن ثلاثين قسما ، وأطلقوا على كل قسم منها اسم الجزء بحيث لا يخطر بالبال عند الإطلاق غيره ، حتى إذا قال قائل : قرأت جزءا من القرآن ؛ تبادر إلى الذهن أنه قرأ جزءا من الثلاثين جزءا التى قسموا المصحف إليها. وجرى على ذلك أصحاب الربعات ، إذ طبعوا كل جزء في نسخة مستقلة ، ومجموع النسخ الجامعة للقرآن كله يسمونه (ربعة). ويوجد من هذا القبيل أجزاء مستقلة بالطبع بأيدى صغار التلاميذ فى المدارس وغيرهم.
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
