ولا يفوتنك في هذا المقام أن تعرف أن ابتلاء الله لعباده ليس المراد منه أن يعلم سبحانه ما كان جاهلا منهم «حاشاه حاشاه» فقد وسع كلّ شىء علما. إنما المقصود منه إظهار مكنونات الخلق ، وإقامة الحجج عليهم من أنفسهم فلا يتهمون الله في عدله وجزائه ، إذا جعل من الناس أهلا لثوابه وآخرين لعقابه. (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً).
(الرأى الثانى في فواتح السور) إن لها معنى مقصودا معلوما. قالوا : لأن القرآن كتاب هداية ، والهداية لا تتحقق إلا بفهم المعنى ، خصوصا أننا أمرنا بتدبر القرآن والاستنباط منه ، وهذا لا يكون إلا إذا فهم المعنى أيضا.
غير أن أصحاب هذا الرأى تشعبت أقوالهم في بيان هذا المعنى المقصود بفواتح تلك السور ، فذهب بعضهم إلى أن فاتحة كل سورة اسم للسورة التى افتتحت بها ، واستدلوا بآثار تفيد ذلك ، منها ما روى عن النبى صلىاللهعليهوسلم أنه قال «يس قلب القرآن» وقوله «من قرأ حم السّجدة حفظ إلى أن يصبح». ومنها اشتهار بعض السور بالتسمية بها. ثم إن ورودها في فواتح سور مختلفة بلفظ واحد ، ينافى كونها أسماء للسور. بل شأنها في ذلك شأن الأعلام المشتركة اشتراكا لفظيا كلفظ محمد المسمى به أشخاص كثيرون. فيضم إلى اسم كل منهم ما يميز مسماه عن غيره فيقال : محمد المصرى ومحمد الشامى مثلا. وكذلك فواتح السور يقال فيها : «الم البقرة والم آل عمران وحم السجدة» وهلم جرا.
وبعضهم ذهب إلى أنها أسماء للحروف الهجائية التى وضعت بإزائها. وهؤلاء منهم من قال : إن المقصود من ذلك هو إفهام المخاطبين أن الذى سيتلى عليهم من الكلام الذى عجزوا عن معارضته والإتيان بمثله ، إنما تركب من مثل هذه الحروف التى في الفواتح ، وهى معروفة لهم ، يتخاطبون بما يدور عليها ولا يخرج عنها
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
