ذلك أن القسم بها كما قلنا ، إشارة إلى الأسرار العظيمة التى وضعها الله في تلك الأمور التى أقسم بها. حتى صحّ أن يكون مقسما بها. وتلك الأسرار لا يدركها إلا اللبيب ، لأنها غير مشروحة ولا مفسرة في القرآن الكريم ، فلا يفهمها إلا من كمل عقله ، وسلّم ذوقه. ولنشرح لك بعض الأسرار ، ليتبين الحال ، ولا يبقى للشبهة مجال.
(المثال الأول) أقسم الله سبحانه بالضحى والليل في قوله : (وَالضُّحى * وَاللَّيْلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) وسبب نزول هذه الآيات : أن النبى صلىاللهعليهوسلم فتر عنه الوحى مرة لا ينزل بقرآن ، فرماه أعداؤه بأن ربه ودعه وقلاه؟ أى تركه وأبغضه ، فنزلت هذه الآيات مصدرة بهذا القسم ، مشيرة إلى أن ما كان من سطوع الوحى على قلبه صلىاللهعليهوسلم بمنزلة الضحى ، تقوى به الحياة ، وتنمى به الناميات ، وما عرض بعد ذلك من فترة الوحى فهو بمنزلة الليل إذا سجى ، لتستريح فيه القوى وتستعدّ فيه النفوس لما يستقبلها من العمل. ومن المعلوم أن النبى صلىاللهعليهوسلم لاقى من الوحى شدة أول أمره حتى جاء إلى خديجة رضى الله عنها ترجف بوادره ، كما هو معروف في حديث الصحيحين. فكانت فترة الوحى لتثبيته عليه الصلاة والسلام ، وتقوية نفسه على احتمال ما يتوالى عليه منه حتى تتمّ به حكمة الله في إرساله إلى الخلق. ولهذا قال له. (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) أى إن كرّة الوحى ثانيا سيكمل بها الدين ، وتتمّ بها نعمة الله على أهله ، وأين بداية الوحى من نهايته؟ وأين إجمال الدين الذى جاء في قوله (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) الخ من تفصيل العقائد والأحكام الذى جاء في مثانى القرآن؟ ثم زاد الآمر تأكيدا بقوله (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى).
فمن هذا نعلم أن الحلف بالضحى والليل في هذا المقام ، ليس مجرد تذكير
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
