وأما زعمهم انقطاع الصلة بين القسم المكى والمدنى والتعارض بين أسلوبيهما ، فهو زعم ساقط مبنىّ على الاعتبارات الخاطئة الماضية التى أثبتنا بطلانها. ثم هو دعوى ماجنة ، يكذبها الواقع ، ويفنّدها الذوق البلاغىّ المنصف. وأدلّ دليل على ذلك ، أن أساطين البلاغة من أعداء الإسلام في مكة نفسها أيام نزول القرآن لم يستطيعوا أن يتّهموا أساليب التنزيل بمثل هذا الاتهام ولا كذبا ، لأنهم كانوا أعقل من ملاحدة اليوم ، يرون أن هذا الاتهام يكون كذبا مكشوفا وافتراء مفضوحا. بل هذا وحيدهم الوليد بن المغيرة يقول للملإ من قريش : «والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ، ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ ، إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه يعلو وما يعلى».
ولما قالت قريش عندئذ : صبأ والله الوليد ، واحتالوا عليه أن يطعن في القرآن ، لم يجد حيلة إلا أن يقول : (إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ). ولم يستطع أن يرمى القرآن بالتهافت والتخاذل ، وانقطاع الصلة بين أجزائه وانحطاط شىء من أساليبه ، على نحو ما يرجف أولئك الخرّاصون. «والله اعلم بما يبيّتون».
٤ ـ وإذا بطل هذا وما سبقه ، بطل ما زعموه من تأثّر القرآن بالوسط والبيئة ، وما رتّبوه عليه من أنه كلام محمد لا كلام رب العزة. ثم إنها اتهامات سخيفة لا تستحقّ الرّد ، ما دام إعجاز القرآن قائما ، يتحدّى كل جيل وقبيل ، ويفحم كل معارض ومكابر. ولمبحث إعجاز القرآن مجال آخر عسى أن يكون قريبا.
ولو لا أن الشبيبة الحاضرة من أنصاف المتعلمين وأشباههم ، ينخدعون بمثل هذه الترّهات ، ما أتعبنا أنفسنا في علاجها ولا أتعبناك ، فاصبر معنا على دفع هذا المصاب ، والله يتولّى هدانا وهداك.
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
