(٢) وأما زعمهم أن في القسم المكى سبابا ، ويريدون من السباب معناه المعروف عندهم من القحة والبذاءة ، والخروج عن حدود الأدب واللّياقة ، فقد (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً). ونحن نتحدّاهم أن يأتوا بمثال واحد فى القرآن كله ، مكيّة ومدنيه ، يكون من هذا اللون القدر الرخيص. وهل يعقل أن القرآن الذى جاء يعلم الناس أصول الآداب ، يخرج هو عن أصول الآداب إلى السباب؟ كيف وقد حرم على أتباعه المسلمين أن يسبوا أعداءه المشركين؟ فقال في سورة الأنعام : (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ).
نعم إن في القرآن كله لا في القسم المكى وحده تسفيها لأحلام المتنطعين ، الذين يصمّون آذانهم ، ويغمضون أعينهم عن الحق ، ويهملون الحجج والبراهين ، وهو في ذلك شديد عنيف ، بيد أنه في شدّته وعنفه ، لم يخرج عن جادّة الأدب ، ولم يعدل عن سنن الحق ، ولم يصدف عن سبيل الحكمة. بل الحكمة تتقاضاه أن يشتدّ مع هؤلاء ، لأنهم يستحقون الشدّة ، ومن مصلحتهم هم ، ومن الرحمة بهم ، والخير لهم ، أن يشتدّ عليهم ليرعووا عن باطلهم ، ويصيخوا إلى صوت الحق والرشد ، ويسيروا على هدى الدليل والحجة ، على حد قول القائل :
|
«فقسا ليزدجروا. ومن يك حازما |
|
فليقـس أحيانا على من يـرحم» |
أضف إلى ذلك أن هذا التفريع الحكيم تجده في السور المدنية ، كما تجده في السور المكية. وإن كان في المكى أكثر من المدنى ، لأن أهل مكة كانوا أشدّاء العارضة ، صعاب المراس ، مسرفين في العناد والإباء ، لم يتركوا بابا من الشرّ إلا دخلوه على الرسول وأصحابه ، ولم يكفهم أن يخرج من بلده وأهله بليل ، بل وجهوا إليه الأذى فى مهاجره.
![مناهل العرفان في علوم القرآن [ ج ١ ] مناهل العرفان في علوم القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4266_manahil-alirfan-fi-ulum-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
