وتقول التوراة : إنّ الله أرسل ريحا شرقيّة على البحر فأزالت الماء حتى ظهرت اليابسة ، وعبر بنو إسرائيل فتبعهم فرعون فغرق. والعبارة هكذا : فقال الربّ لموسى ... قل لبني إسرائيل أن يرحلوا ، وارفع أنت عصاك ومدّ يدك على البحر وشقّه ، فيدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة ...
ومدّ موسى يده على البحر ، فأجرى الربّ البحر بريح شرقيّة شديدة كلّ الليل وجعل البحر يابسة وانشقّ الماء. فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم ... (١)
وأخذ بعضهم من ذلك شبهة أنّ فلق البحر كان بهبوب العواصف ، ولم تكن آية معجزة! لكن لم يعهد أن تعمل الريح مهما اشتدّت هذا العمل العجيب في الخليج مرّة اخرى ، بل كلّ الدهر ، سواء قبل هذه الحادثة أم بعدها ، فلم فعلت ذلك حين أمر موسى بني إسرائيل بعبور البحر ، ذلك الحين فقط؟!
قال الاستاذ النجّار : فلم يكن ذلك إلّا بعناية خاصّة من الله تعالى لإنفاذ ما في علمه. (٢)
* * *
وبعد فإذ قد علمنا أنّ سجلّات التاريخ ، غالبيّتها إنّما تعنى بشئون السلاطين وإضفاء وابل الثناء عليهم خاصّة ، حتى ولو كان بقلب الحقائق وتبديل سيّئاتهم حسنات وإعفاء ما سواها من شئون ، فيا ترى هل تجد هناك مجالا لوصف محاسن خصومهم أو الإشادة بذكرهم ، ولا سيّما إذا استدعى ذلك مسّا بكرامة الأسياد أو الحطّ من شأنهم الرفيع!!
لم تكد الوثائق التاريخيّة القديمة تتجاوز رغبات حاشية الملوك والامراء ، فيما يعود إلى تفخيم شأنهم وتعظيم جانبهم بالذات ، وأن لا يذكر هناك شيء يشينهم أو يضع من شأنهم إطلاقا. فما هي إلّا إملاءات تمليها الأسياد ، حسب ميولهم واتّجاهاتهم
__________________
(١) سفر الخروج ، أص ١٤ : ١٥ ـ ٢٣.
(٢) قصص الأنبياء للنجّار ، ص ٢٠٤ ـ ٢٠٥.
