والموصول عامّ يشمل من ركب مع نوح من المؤمنين ، ولا يخصّ ولد صلبه ـ كما قيل ـ إذ لا شاهد عليه في ظاهر تعبير القرآن العامّ.
والقول بتشعّب البشر من ولد نوح الثلاثة (سام ، حام ، يافث) رواية إسرائيلية بحتة ذكرتها التوراة : «ومن هؤلاء تشعّب كلّ الأرض». (١)
غير أنّها ذكرت أيضا أنّ الذين ركبوا مع نوح هم بنوه وأزواجهم فحسب (٢) ليكون غيرهم لم يؤمنوا به إطلاقا ممّا يبدو غريبا جدّا أو كانوا آمنوا ولكنّهم بقوا ليكونوا مع المغرقين ، وهذا أبعد وأغرب!
فالصحيح ما ذكره القرآن : (قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ). (٣) فقد ركب معه من المؤمنين جماعة وإن كانوا في قلّة بالنسبة إلى قومه الأكثرين. وقد ذكر المفسّرون أنّهم كانوا ثمانين نفسا. (٤)
فلا بدّ أنّ هؤلاء الذين ركبوا معه ونجوا كانوا معه وهبطوا جميعا بسلام (قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ). (٥)
والتعبير بالامم ممّن معه يعطي تناسل الأمم منهم ، منهم المؤمنون كآبائهم ومنهم الفاسقون ، وهذا أيضا مطلق شامل لكلّ من ركب معه وهبط إلى الأرض بسلام.
فالخطاب ـ مع بني إسرائيل ـ بأنّهم ذرّية من حملنا مع نوح (يعني الذين آمنوا به) يشمل الجميع.
ثمّ لو كان المراد ذرّية ولد نوح الذين ركبوا معه لكان التعبير بذرّية نوح أولى ، من غير ضرورة تدعو إلى هذا الالتواء في التعبير الموهم!!
والوجه فيما ذكره الكلبي وغيره أنّه تأثّر بروايات إسرائيليّة وينبو عنه ظاهر تعبير القرآن.
بقي قوله تعالى : (وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ)(٦) يظهر منه أنّ البشرية أصبحت جميعا
__________________
(١) سفر التكوين ، إصحاح ٩ / ١٨.
(٢) المصدر : ٧ / ٨.
(٣) هود ١١ : ٤٠.
(٤) مجمع البيان ، ج ٥ ، ص ١٦٤.
(٥) هود ١١ : ٤٨.
(٦) الصافّات ٣٧ : ٧٧.
