ضفافها ... وحمإ مسنون : (١) منتن. وقرئ : «عين حامية» أي دافئة (حارّة).
قال المفسّرون : أراد ذو القرنين أن يبلغ بلاد المغرب. فاتّبع طريقا توصله إليها ، حتّى إذا انتهى من جهة المغرب بحيث لم يستطع تجاوزه ووقف على حافّة البحر الأطلنطي (المحيط الأطلسي) وجد الشمس تغرب في بحر خضمّ يضرب ماؤه إلى سواد الخضرة ، وكان معروفا عند العرب ببحر الظلمات ، فقد سار إلى بلاد تونس ثم مراكش ووصل إلى البحر المحيط ، فوجد الشمس كأنّها تغيب فيه وهو أزرق اللون يضرب إلى السواد ، كأنّه حمئة. (٢)
والمراد بالعين : لجّة الماء ، حيث البحر الواسع الأرجاء لا ترى له نهاية.
قال سيّد قطب : والأرجح أنّه كان عند مصبّ أحد الأنهار ، (٣) حيث تكثر الأعشاب ويتجمّع حولها طين لزج هو الحمأ. وتوجد البرك وكأنّها عيون الماء ... فرأى الشمس تغرب هناك (وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ). (٤)
قلت : وسوف يأتي عند الكلام عن ذي القرنين ـ وأنّه كورش الهخامنشي على الأرجح ـ أنّه في فتوحاته غربا في آسيا الصغرى توقّف على المنطقة التي تسمّى باسم : إقليم أيونيّة ، وهو الإقليم الغربي من قارّة آسيا الصغرى المطلّ على مضيق الدردنيل وبحر إيجة وما يلاصق الساحل من جزر وأشباه جزر. حين توقّف كورش عند شواطئ بحر إيجة ـ وهي جزء من سواحل تركيا على البحر المتوسّط ـ وجد الشاطئ كثير التعاريج. حيث تتداخل ألسنة البحر داخل اليابس ، ومن أمثلة هذه الألسنة البحريّة خليج هرمس ومندريس الأكبر ومندريس الأصغر ... ويتعمّق خليج «أزمير» إلى الداخل بمقدار ١٢٠ كم ، تحيط به الجبال البللورية من الغرب إلى الشرق على حافّتيه ، بحيث يتّخذ شكل العين ، ويصبّ فيه نهر «غديس» المياه العكرة المحمّلة بالطين البركاني والتراب الأحمر من فوق هضبة الأناضول ... وحين توقّف كورش عند «سارد» قرب أزمير تأمّل قرص
__________________
(١) في قوله تعالى : (إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) ، الحجر ١٥ : ٢٨. وراجع الآية ٢٦ و ٣٣ من نفس السورة.
(٢) راجع : تفسير المراغي ، ج ١٦ ، ص ١٦.
(٣) واحد معاني العين ، مصبّ ماء القناة.
(٤) في ظلال القرآن ، ج ١٦ ، ص ٦ ، المجلّد ٥ ، ص ٤٠٩.
