نعم ، يزداد العلم يقينا ـ كلّما رصد ظاهرة كونية ـ أنّ ما بلغه ضئيل جدّا بالنسبة إلى ما لم يبلغه ، وتزداد ضآلة كلّما تقدّم إلى الأمام. حيث عظمة فسحة الكون تزداد ابّهة وكبرياء كلّما كشف عن سرّ من أسرار الوجود وربما إلى غير نهاية ، لا سيّما والكون في اتّساع مطّرد : (وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ). (١)
هذا وقد حاول بعضهم ـ في تكلّف ظاهر ـ التطبيق مع ما بلغه العلم قديما وفي الجديد من غير ضرورة تدعو إلى ذلك. ولعلّ الأناة ، حتّى يأتي يوم يساعد التوفيق على حلّ هذا المجهول من غير تكلّف ، كانت أفضل.
يقول سيد قطب : لا ضرورة لمحاولة تطبيق هذه النصوص على ما يصل إليه علمنا ، لأنّ علمنا لا يحيط بالكون حتّى نقول على وجه التحقيق : هذا ما يريده القرآن. ولن يصحّ أن نقول هكذا إلّا يوم يعلم الإنسان تركيب الكون كلّه علما يقينيّا ، وهيهات ... (٢)
وإليك بعض محاولات القوم : حاول بعض القدامى تطبيق التعبير الوارد في القرآن على فرضيّة بطلميوس لهيئة الأفلاك التي هي مدارات الكواكب فيما حسبه حول الأرض. (٣) ولكن من غير جدوى. لأنّ الأفلاك في مزعومته تسعة ، ومن ثمّ أضافوا على
__________________
(١) الذاريات ٥١ : ٤٧.
(٢) في ظلال القرآن ، ج ٢٨ ، ص ١٥٢.
(٣) زعموا أنّ الأرض في مركز العالم ، وأنّ القمر وعطارد والزهرة والشمس والمرّيخ والمشتري وزحل سيّارات حولها ، في مدارات هي أفلاك متراكبة بعضها فوق بعض بنفس الترتيب. وكلّ واحد منها في فلك دائر حول الأرض من الغرب إلى الشرق في حركة معاكسة لحركتها اليومية من الشرق إلى الغرب على أثر تحريك الفلك التاسع ، المسمّى عندهم بفلك الأفلاك أو بالفلك الأطلس ، لعدم وجود نجم فيه وأمّا النجوم الثوابت فهي مركوزة في الفلك الثامن. فهذه تسعة أفلاك محيطة بالأرض بعضها فوق بعض. وهكذا جاء في إنجيل برنابا من كلام المسيح عليهالسلام : أنّ السماوات تسع ، فيها السيّارات ، وتبعد إحداها عن الاخرى مسيرة خمسمائة عام. ولمّا ترجمت فلسفة اليونان إلى العربية ، ودرسها علماء الإسلام وثقوا بأنّ الأفلاك تسعة ، وقال بعضهم : هي سبع سماوات ، والكرسي فلك الثوابت ، والعرش هو الفلك المحيط. والغريب أنّ مثل محيي الدين ابن عربي اغترّ بهذه الغريبة وحسبها حقيقة وبنى عليها معارفه الإشراقية فيما زعم. (راجع : الفتوحات المكية ، الباب ٣٧١ والفصل الثالث منه ، ج ٣ ، ص ٤١٦ و ٤٣٣. وكذا الفصّ الإدريسى من فصوص الحكم ، ج ١ ، ص ٧٥). وهكذا شيخنا العلّامة بهاء الدين العاملي في كتابه تشريح الأفلاك ، وهو عجيب! ولقد أعجبني كلام أبي الحسن علي بن عيسى الرّمّاني المعتزلي في تفسير الآية ، حيث أنكر إرادة الأفلاك البطلميوسيّة من السماوات السبع في القرآن ، محتجّا بأنّه تفسير يخالف ظاهر النصّ. راجع : تفسير التبيان للشيخ الطوسي ، ج ١ ، ص ١٢٧.
