غير أنّ هذه الشبهة نشأت من خطأ هؤلاء المفسّرين وليست واردة على القرآن.
فقد كان تعبير القرآن أنّ النطفة ـ وهي خليّة الذكر تمتزج ببويضة المرأة ـ تتحوّل إلى علقة : كرة جرثوميّة لها خلايا آكلة وقاضمة تعلّق بواسطتها وبواسطة حملات دقيقة بجدار الرحم ، تتغذّى بدم المرأة. وهذه النقطة الصغيرة العالقة تشبه دودة العلقة التي تمتصّ الدم.
ثمّ إنّ هذه العلقة تتحوّل إلى كتلة غضروفية تشبه ممضوغة العلك في الفم ، وتكون منشأ لتكوين العظام ثمّ تكوين العضلات بعد بضعة أيّام ، لتكسو العظام أي تغطّيها وتلتحم معها.
ومعنى ذلك : أنّ العظام تسبق العضلات ، ثمّ تكسو العضلات العظام ، وصدق الله العظيم حيث يقول : (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً).
قال سيّد قطب : وهنا يقف الإنسان مدهوشا أمام ما كشف عنه القرآن من حقيقة في تكوين الجنين لم تعرف على وجه الدقّة إلّا أخيرا بعد تقدّم علم الأجنّة التشريحي. ذلك أنّ خلايا العظام غير خلايا اللحم (العضلات). وقد ثبت أنّ خلايا العظام هي الّتي تتكوّن أوّلا في الجنين ، ولا تشاهد خليّة واحدة من خلايا اللحم إلّا بعد ظهور خلايا العظام وتمام الهيكل العظمي للجنين ، وهي الحقيقة التي يسجّلها النصّ القرآني. (١)
وقد أشبعنا الكلام في ذلك عند الكلام عن إعجاز القرآن العلمي في الجزء السادس من التمهيد.
(وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ)
يبدو من ظاهر تعبير آيات قرآنية أنّ النجوم جعلت شهبا يرمى بها الشياطين. قال تعالى : (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ)(٢)
وقال : (إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ. وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ. لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى
__________________
(١) في ظلال القرآن ، ج ١٨ ، ص ١٦ ـ ١٧.
(٢) الملك ٦٧ : ٥.
