والدليل على ذلك أنّ الوارد في سورتي الدخان والقدر هو النزول والتفريق ، وليس أصل التقدير ، فتدبّر جيّدا.
فالله تبارك وتعالى يعلم تقدير الامور حسب مجاريها علما في الأزل ، لكنّه تعالى ينزل بهذا التقدير في كلّ ليلة قدر بشأن تفريقه طول ذلك العام ، الأمر الذي لا يبدو عليه أيّ شبهة تناقض.
متى وقع التقدير؟ وهل لا يتنافى التقدير مع الاختيار؟
جاء في سورة الدخان أنّ التقدير إنّما يقع في كلّ ليلة قدر من شهر رمضان في كلّ سنة (فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ). (١) وقد وردت روايات أيضا بأنّ ما يقع في تلك السنّة إنّما يقدّر في ليلة القدر.
هذا ، في حين كثرة الآيات والروايات بأنّ التقدير إنّما وقع في الأزل ، وتجري الأمور حسبما قدّرت في اللّوح المحفوظ من غير تخلّف ولا تبديل. (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها). (٢) (وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ). (٣)
على أنّ هذه الآيات ترمي إلى سلب مسئولية الإنسان عمّا يفعله ، حيث إنّه كان مقدّرا له من قبل. وهذا يتنافى وقوله تعالى : (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً). (٤)
أمّا المسألة الأولى فقد سبق البحث عنها في مسألة البداء وأنّ هناك تقديرين ، تقدير ظاهري حسب مجاري الأمور الطبيعية من علل وأسباب تتفاعل حسب طبيعتها الاولى ، وهي السنن الساطية على الكون. (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ). (٥)
وهذه السنن ليست حتمية ، في حين كونها هي الغالبة ، حيث احتمال مفاجأة امور
__________________
(١) الدخان ٤٤ : ٤.
(٢) الحديد ٥٧ : ٢٢.
(٣) فاطر ٣٥ : ١١.
(٤) الإسراء ١٧ : ١٣.
(٥) القمر ٥٤ : ٤٩.
