على أفواههم لتتكلّم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون. (١)
الأمر الّذي يتنافى وقوله تعالى فيهم بأنّهم قالوا والله ما كنّا مشركين (٢) فإنّه قول كذب بل ويمين كاذبة وقد أذنوا بالتكلّم به!
وكذا مع قوله : (إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ)(٣) وقوله : (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً). (٤) فقد تخاصموا لديه تعالى رغم منعه سبحانه من ذلك! ثمّ كيف يلتئم ذلك مع الختم على الأفواه؟!
جواب :
أولا : إنّ من يتكلّم بالصواب في الآية الاولى هم الملائكة أو المؤمنون ، والكلام الصواب هنا هي الشفاعة بالحقّ على ما ذكره المفسّرون. وفي الحديث عن الإمام الصادق عليهالسلام وقد سئل عن هذه الآية قال : نحن والله المأذون لهم يوم القيامة ، والقائلون صوابا : نمجّد ربّنا ونصلّي على نبيّنا ونشفع لشيعتنا. (٥)
وثانيا : مواطن القيامة متفاوتة ومواقفها متنوّعة. فقوله (لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ...)(٦) خطاب إلى الكفّار العنيد وقرينه الشيطان الذي أغواه ، حيث يقول الشيطان : (رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ). (٧) ويحاول الكافر أن يجعل اللّوم على الّذي أغواه ، فكان النهي موجّها إليهم : لا تختصموا لديّ بل اجعلوا بأسكم بينكم فليس منعا عن التخاصم على الإطلاق.
غير أنّ هذا التخاصم والتشاجر والمنع منه لديه سبحانه إنّما هو بعد الفراغ من الحساب وفي مقام الاعتذار بعد الاعتراف بالاقتراف. أمّا الختم على الأفواه فهو عند الحساب وفي أثنائه حيث يحاولون الإنكار رأسا ، فتتكلّم أيديهم وتشهد أرجلهم بما
__________________
(١) وهو قوله تعالى : (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) ، يس ٣٦ : ٦٥.
(٢) وهو قوله تعالى : (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) ، الأنعام ٦ : ٢٢ ـ ٢٣.
(٣) ص ٣٨ : ٦٤.
(٤) العنكبوت ٢٩ : ٢٥.
(٥) رواه العيّاشي حسبما ذكره الطبرسي في مجمع البيان ، ج ١٠ ، ص ٤٢٧.
(٦) ق ٥٠ : ٢٨.
(٧) ق ٥٠ : ٢٧.
