المتناثر آيه طول سنين. وربّما يختلف النظر لو كان صادرا من إنسان ، وهو آخذ في التكامل طول هذه المدّة ، فطبيعي أن يقع فيه اختلاف ، لكن عدم الاختلاف دليل قاطع على أنّه من عليم خبير ، هو محيط بعلمه ولا يعزب عن علمه شيء ، كما لا يتجدّد له رأي أو يبدو له نظر غير رأيه القديم.
وللعلّامة السيّد هبة الدين الشهرستاني هنا كلام غريب ، قال : إنّ جماعة من المفسّرين قد التبس عليهم أمر المانع بالسبب ، فعدّوا سلامة القرآن من التنافي والتنافر ، من وجوه إعجازه ، في حين أنّ وجود التنافي والتنافر من موانع الإعجاز ، وليس انعدامهما والسلامة منهما من أسباب الإعجاز. (١)
ولعلّه رحمهالله عدّ السلامة من الاختلاف أمرا عدميا ، فجعل التنافي والتنافر ، وهما أمران وجوديّان ، من المانع. في حين أنّ السلامة هنا بمعنى الائتلاف وحسن الوفاق والمؤكّد للانسجام بين آياته وتعابيره في كافّة السور مكيّتها ومدنيّتها بوئام وانسجام.
الأسباب الموهمة للاختلاف
ذكر الإمام بدر الدين الزركشي للاختلاف أسبابا :
الأوّل : وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتّى ، كقوله تعالى في خلق آدم مرّة : (خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ). (٢) واخرى : (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ). (٣) وثالثة : (مِنْ طِينٍ لازِبٍ). (٤) ورابعة : (مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ)! (٥)
وهذه الألفاظ مختلفة ومعانيها في أحوال مختلفة ، لأنّ الصلصال غير الحمأ ، والحمأ غير التراب ، إلّا أنّ مرجعها كلّها إلى جوهر وهو التراب ، ومن التراب تدرّجت هذه الأحوال.
__________________
(١) المعجزة الخالدة للشهرستاني ، ص ٤٢.
(٢) آل عمران ٣ : ٥٩.
(٣) الحجر ١٥ : ٢٦.
(٤) الصافّات ٣٧ : ١١.
(٥) الرحمن ٥٥ : ١٤.
