الأشجار والأنهار
ليس وصف النعيم بظلال الأشجار ومجاري الأنهار ممّا يستلفت رغبة العائشين في البوادي الجرداء والصحاري القفار فحسب ، وإنّما هي رغبات عامّة حتّى للمنعمين بخصوبة البلاد وخضرة الهضبات والوهاد.
الناس في كافّة بقاع الأرض يرتادون لمنتزهاتهم أماكن تظلّها أشجار وتبلّها أنهار ، على ما جاء في وصف القرآن الكريم :
(مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ) سرر مزيّنة فاخرة.
(لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً) لا يحسّون لدغ حرارة لافحة ، ولا لذع برودة قارصة. مرتاحين في مهبّ نسيم ولطف نعيم.
(وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها) أشجار بسطت أغصانها المتدانية ، مستديرة الأطراف شبه مظلّات مخيّمة بروح أظلّتها.
(وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً)(١) ثمار متدنّية يسهل قطوفها (وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ). (٢)
وألذّ المنتزه وأطيبه ما كان على ضفاف الأنهر ومتفجّرات العيون ، على حدّ تعبير القرآن :
(عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً). (٣) (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ). (٤)
نعم ، إنّها رغبات عامّة يبتغيها كلّ منعم ومعدم وفي كلّ بقاع الأرض ، مشارق الأرض ومغاربها ، العامرة منها والبائرة. وليست ممّا تهفو إليها نفوس مكدودة فحسب. وتلك قصور شامخات ومصايف زاهرات تزدحم بأصحاب النعم ومرفّهي الأحوال ، أنشئت على شواطئ البحار وضفاف الأنهار في كلّ أرجاء المعمورة. وحسبك شواهد على أنّها رغبات تهفو إليها نفوس جميع أبناء البشر في كلّ البلاد ، ولدى جميع الأجيال والأمم ، وليس العرب وحدهم.
__________________
(١) الإنسان ٧٦ : ١٣ و ١٤.
(٢) الدخان ٤٤ : ٢٧.
(٣) الإنسان ٧٦ : ٦.
(٤) يونس ١٠ : ٩.
