إِلى أَوْلِيائِهِمْ). (١) ويقول الشيطان لمّا قضي الأمر : (وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ). (٢)
وزعم الإمام الرازي أنّ ظاهر المنقول عن أكثر الفلاسفة إنكار وجود الجنّ ، استنادا إلى كلام الشيخ الرئيس ابن سينا في رسالته في حدود الأشياء ، حيث يقول : الجنّ حيوان هوائي متشكّل بأشكال مختلفة. ويعقّبه بقوله : وهذا شرح للاسم. قال الرازي : وهذا يدلّ على أنّ هذا الحدّ شرح للمراد من هذا اللفظ ، وليس لهذه الحقيقة وجود في الخارج. (٣)
وقد أخذت دائرة المعارف الإسلامية المترجمة إلى العربيّة هذا الاستظهار من الرازي مستندا لتنسب إلى الشيخ الرئيس إنكاره الباتّ لحقيقة الجنّ. جاء فيها : ولكنّ ابن سينا عند تعريفه لكلمة «جنّ» أكّد في غير مؤاربة أنّه ليست هناك حقيقة واقعة وراء هذه الكلمة. (٤)
غير أنّ ذاك الاستظهار من الرازي خطأ ، وكانت عبارة الشيخ الرئيس تعني : أنّ هذا التعريف للجنّ ليس حدّا تامّا ـ حسب مصطلحهم ـ وإنّما هو رسم ناقص لا يعدو شرح الاسم ، كما في قولهم : سعدانة نبت ، إذ ليس فيه ذكر لذاتيّات المعرّف (الجنس القريب والفصل القريب) ، ومن ثمّ فهو تعريف ببعض اللوازم والآثار وليس بالجنس والفصل القريبين.
إذن ، فنسبة إنكار حقيقة الجنّ إلى مثل الشيخ الرئيس ـ كبير الفلاسفة الإسلاميّين ومن ذوي العقول الراجحة المعتقدة بالإسلام والقرآن ـ جفاء يشبه الافتراء. ومن الغريب أنّ الإمام الرازي يعقّب ذلك ، بقوله : وأمّا جمهور أرباب الملل والمصدّقين للأنبياء فقد اعترفوا بوجود الجنّ : يا ترى أليس شيخ الفلاسفة الإسلاميّين من المصدّقين للأنبياء ولا سيما نبيّ الإسلام والقرآن العظيم؟!
وبعد ، فإذ لم يعد البحث عن حقيقة الجنّ إلى مسألة فلسفية بحتة ولا إلى فرضية
__________________
(١) الأنعام ٦ : ١٢١.
(٢) إبراهيم ١٤ : ٢٢.
(٣) التفسير الكبير ، ج ٣٠ ، ص ١٤٨.
(٤) دائرة المعارف الإسلامية ، ج ٧ ، ص ١١٣.
