(وَرَحْمَةً) ، من الله لمن آمن به ، ونصبا على الحال عن الكسائي ، وقال أبو عبيدة : فيه إضمار ، أي جعلناه إماما ورحمة ، وفي الكلام محذوف ، تقديره : وتقدمه كتاب موسى إماما ولم يهتدوا به ، كما قال في الآية الأولى : (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ) ، (وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ) ، أي القرآن مصدق للكتب التي قبله ، (لِساناً عَرَبِيًّا) ، نصب على الحال ، وقيل بلسان عربي ، (لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) ، يعني مشركي مكة ، قرأ أهل الحجاز والشام ويعقوب : لتنذر بالتاء على خطاب النبي صلىاللهعليهوسلم ، وقرأ الآخرون بالياء يعني الكتاب ، (وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ) ، (وَبُشْرى) في محل الرفع ، أي هذا كتاب مصدق وبشرى.
(إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٤).
قوله عزوجل : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً). وقرأ أهل الكوفة : (إِحْساناً) كقوله تعالى : (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) [البقرة : ٨٣ والنساء : ٣٦ ، الأنعام : ١٥١ والإسراء : ٢٣] ، (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً) ، يريد شدة الطلق ، قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو كرها بفتح الكاف فيهما ، وقرأ الآخرون بضمهما. (وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ) ، فطامه ، وقرأ يعقوب : وفصله بغير ألف ، (ثَلاثُونَ شَهْراً) ، يريد أقل مدة الحمل وهي ستة أشهر وأكثر مدة الرضاع أربعة وعشرون شهرا.
وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال : إذا حملت المرأة تسعة أشهر أرضعت إحدى وعشرين شهرا ، وإذا حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرا. (حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ) ، نهاية قوته ، وغاية شبابه واستوائه ، وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى أربعين سنة ، فذلك قوله : (وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) وقال السدي والضحاك : نزلت في سعد بن أبي وقاص ، وقد مضت القصة.
وقال الآخرون : نزلت في أبي بكر الصديق وأبيه وأبي قحافة عثمان بن عمرو ، وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو.
قال علي بن أبي طالب : الآية نزلت في أبي بكر أسلم أبواه جميعا ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أسلم أبواه غيره أوصاه الله بهما ، ولزم ذلك من بعده ، وكان أبو بكر صحب النبي صلىاللهعليهوسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة والنبي صلىاللهعليهوسلم ابن عشرين سنة في تجارة إلى الشام ، فلما بلغ أربعين سنة ونبّئ النبي صلىاللهعليهوسلم آمن به ودعا ربه ف (قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي) ، ألهمني ، (أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَ) ، بالهداية والإيمان ، (وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ).
قال ابن عباس : وأجابه الله عزوجل فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله ، ولم يرد شيئا من الخير إلّا أعانه الله عليه ، ودعا أيضا فقال : (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) ، فأجابه الله فلم يكن له ولد إلّا آمنوا جميعا ، فاجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعا فأدرك أبو قحافة النبي صلىاللهعليهوسلم وابنه أبو بكر وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر وابن عبد الرحمن أبو عتيق كلهم أدركوا النبي صلىاللهعليهوسلم ، ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة. قوله : (إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ).
(أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦) وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧))
![تفسير البغوي [ ج ٤ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4234_tafsir-albaghawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
