استوفى من كل مقام حظه كان كأن قد مات وآل إلى صورة أخرى لا تشبه حاله الأولى أصلا ، وذلك إنما يكون بعد أربعين سنة من أول سلوكه حين تسخير قواه الطبيعية والنقصانية بالكلية ومجيء الإمداد الملكوتي فليس المراد من هذا الفناء هو الذي يحصل قبل الفناء بل بعده فافهم.
قال : وهذا كما أن أهل الجنة يصلون لمقتضى الاستثناء الذي هو فعله إلا ما شاء ربك إلى مقام لا يشبه بالذي قبله أصلا وذلك بعد طول العهد من دخول الجنة وعنده يظهر سر الأزل في مرآة الأبد ، فكما أن مبدأ التعينات وهي الشئونات الغيبية هو أزل الأزلين كذلك ما بعد هذا المقام الذي وصلوا إليه بالتجلي المخصوص هو أبد الآبدين فالأبد المضاف هو ما بعد هذا التجلي والمضاف إليه ما كان قبله مذ دخولهم الجنة ، وكذا الأزل فإن ما فوق هذا المبدأ هو الأزل المضاف وما تحته هو الأزل المضاف إليه ، وهذا السر جار على أهل النار لكنهم أهل الجلال ومقام الفردية ، ولذا تزوج لهم ولا تنعم بنعم أهل الجنة أهل الجمال ومقامهم مقام الصفة مقتضاها التنعم والتلذذ ؛ فالفرق بين أهل الجنة وأهل النار أن لأهل الجنة ظهورا بالصفات ، وفي الظهور بطون ، وهو سر الذات ، وأن لأهل النار بطونا ، وليس في البطن ظهر.
قال حضرة الشيخ : إن الله تعالى يشاهد الأشياء بعين الإنسان الكامل ، وإن الإنسان الكامل إذا انتقل إلى البرزخ بالموت الصوري يزداد حظه من مقامه فهو في الترقي أبدا في كل موطن.
قلت : تأخر ظهور المهدي إلى رأس المائة الثالثة.
قال : أكثر العلماء على هذا ؛ فالظاهر أن الله يريح عباده قرنا وهو إلى ثلاثين سنة ثم يضعف الحال بعد الخمسين إلى أن يظهر ما يظهر إلى ظهور المهدي.
قال حضرة الشيخ : إن أهل الجمال يتنفرون عن أهل الجلال بما اختصوا به من عنايته وبالعكس فكل منهما محجوب عن صاحبه في هذه الدار ، وكذا في الدار الآخرة ، وأما أهل الكمال فلهم إحاطة وسعة في الدارين ليست لغيرهم ، فالمقربون واقفون على أحوال الأبرار ومكاشفون عن مقاماتهم ومواطنهم وهم محجوبون عن حال المقربين وكذا الأبرار واقفون على أحوال أصحاب المشأمة ، وهم محجوبون عنهم وعن كل واحد من الأبرار وصاحب المشأمة متنفر عن صاحبه بخصوص مقامه ، محجوب عنه بما اختص به.
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
