اختلف في حياته الدنيوية : هل هو باق إلى هذا الآن ، وإلى قيام الساعة ؛ كإلياس ، وإدريس ، وعيسى أم لا؟ فذهب إلى نفيه وحمله على الصفة الغالبة على الرأي حضرة الشيخ صدر الدين القونوي ، وذهب إلى إثباته وحمله على الحقيقة حضرة الشيخ محيي الدين العربي قدّس الله سرّهما ، وكثير من أهل السلوك ، ومن يدّعي المعرفة الإلهية لم يقفوا على مرادهما ، وإنهما على الاتفاق في الحقيقة.
وذلك أن حمله على الصفة الغالبة لا ينافي وجوده الحسّي في نفس الأمر ؛ فهو حي الآن ؛ كالأنبياء المذكورين ؛ لكنه لمّا كان المتروحنين يتمثل للرأي على حسب صفته الغالبة ، فالذي يراه ؛ فإنما يراه على الصفة الغالبة عليه غالبا كما يرى ملك الملوك حين الموت ، فملك الموت هو عزرائيل على الحقيقة ، ولا ينافيه كونه مرئيا على صفة العمل الغالب على المحتضر (١).
ألا ترى أن جبريل عليهالسلام كان يتمثّل في صورة البشر مع كون الحقيقة حقيقة الملك ، فكونه على صورتين لا يقدح في وحدة حقيقته ، وكذا كون الشيء على صورته الحقيقية في مواضع مختلفة في وقت واحد ؛ كالأبدال فإنهم يتمثّلون في أمكنة شتّى زمان مع وحدة صورهم الأصلية ، ومن قبيل التمثّل على صورتين مختلفتين نحو التمثّل الجبرائيلي تمثل إدريس المرفوع إلى السماء.
فإنه على ما ذهب إليه حضرة الشيخ محيي الدين قدسسره تمثّل في الصورة الإلياسية ، وأرسله الله تعالى إلى قرية بعلبك من نواحي الشام ، ثم لمّا تمّ الأمر ؛ ركب على فرس من نار ؛ فغاب عن أعين الناس ، وصحب الملائكة بحسب نشأته الروحانية ، فهو عند تمثّله بصورة إلياس ؛ هو إدريس الذي بعث قبل نوح عليهالسلام.
__________________
(١) الخضر : كناية عن البسط وإلياس عن القبض ، وأما كون الخضر عليهالسلام شخصا إنسانيا باقيا من زمان موسى عليهالسلام إلى هذا العهد ، أو روحانيا يتمثل بصورته ، فلم يرشد إليه نقل وغير محقق عقلا ، بل قد يتمثل معناه له بالصفة الغالبة عليه ، ثم يضمحل ، وهو روح أو روح لك أو روح القدس هذا عند العامة ، وأما عند المحققين وجوده ثابت.
فصور المفاتيح الأول التي هي صور الأصول : آدم ، وشيث ، وإدريس ، ونوح ، يجمع هؤلاء سيدنا الخضر على نبينا وعليهمالسلام.
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
