__________________
ـ ووقف موقفه الذي كان يقف فيه ، فلما أن قال : (الله أكبر) ارتجت المدينة ، فلما قال : (أشهد أن لا إله إلا الله) زادت رجتها ، فلما أن قال : (أشهد أن محمدا رسول الله) خرجت العواتق من خدورهن ، وقلن : بعث رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فما رأينا يوما أكثر به باكيا ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله صلىاللهعليهوسلم من ذلك اليوم» ، فإذا علمت ذلك أن الزيارة وصلة مع الحبيب.
وقد وقع لبعض العارفين مخاطبته له صلىاللهعليهوسلم ورده عليه ، فمد يده الشريفة من الشباك فقبّلها ، والزيارة إما ماشيا أو راكبا على قدر الطاقة ، والمشي أفضل عند الاستطاعة ؛ لقوله صلىاللهعليهوسلم : «من اغبرت قدماه في سبيل الله غفر له» ، والمراد بسبيل الله : مطلق طاعة ، كما ذكر الفقهاء في السعي للعيد والجمعة ، والاغبرار عادة إنما يكون بالمشي ، فهو مجاز مرسل من إطلاق المسبب على السبب ، وأما أفضلية الركوب في الحج فلفعله صلىاللهعليهوسلم ، وإلا فقد ورد أن الملائكة تصافح ركاب الإبل وتعانق المشاة ، والله يختص برحمته من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم.
خاتمة تتعلق بانتقاله صلىاللهعليهوسلم لدار البقاء والتكريم ، وتشريفه بخصائص الزلفى في مشهد مشاهد الأنبياء والمرسلين ، وتحميده بالشفاعة والمقام المحمود ، وانفراده بالسؤدد في مجمع مجامع الأولين والآخرين ، وترقيه في جنات عدن أرقى مدارج السعادة ، وتعاليه في يوم المزيد أعلى معالي الحسنى وزيادة.
قال في المواهب اللدنية في فصل وفاته صلىاللهعليهوسلم : اعلم وصلني الله وإياك بحبل تأييده ، وأوصلنا بلطفه إلى مقام توفيقه وتسديده ، أن هذا الفصل مضمونه يسكب المدامع من الأجفان ، ويجلب الفجائع لإثارة الأحزان.
قال : ولما كان الموت مكروها بالطبع ؛ لما فيه من الشدة ، لم يمت نبيّ من الأنبياء حتى يخيّر ، وأول ما أعلم النبي صلىاللهعليهوسلم باقتراب أجله بنزول سورة : (إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً) [النصر : ١ ، ٢ ، ٣] ، فإن المراد من هذه السورة : إنك يا محمد إذا فتح الله عليك البلاد ، ودخل الناس في دينك الذي دعوتهم إليه أفواجا ، فقد اقترب أجلك فتهيأ للقائنا بالتحميد والاستغفار ، فإنه قد حصل منك مقصود ما أمرت به من أداء الرسالة والتبليغ ، وما عندنا خير لك من الدنيا ، فاستعد للنقلة إلينا ، وهذه آخر سورة نزلت عليه يوم النحر بمنى في حجة الوداع ، وعاش بعدها قيل : أحدا وثمانين يوما ، وعن ابن عباس : تسع ليال.
قال : وفي الطبراني عن ابن عباس : لما نزلت : «إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ» نعيت إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم نفسه ، فأخذ بأشد ما كان قط في أمر الآخرة.
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
