فما ذكرنا : من أنّ العمل على الظنّ سواء تعلّق بالطريق أم بنفس الواقع ، فإنّما هو مع مساواتهما من جميع الجهات ؛ فإنّا لو فرضنا أنّ المقلّد يقدر على إعمال نظير الظنون التي يعملها لتعيين المجتهد في الأحكام الشرعيّة مع قدرة الفحص عمّا يعارضها على الوجه المعتبر في العمل بالظنّ لم يجب عليه العمل بالظنّ في تعيين المجتهد ، بل وجب عليه العمل بظنّه في تعيين الحكم الواقعي. وكذا القاضي إذا شهد عنده عادل واحد بالحقّ لا يعمل به ، وإذا أخبره هذا العادل بعينه بطريق قطع هذه المخاصمة يأخذ به ؛ فإنّما هو لأجل قدرته على الاجتهاد في مسألة الطريق بإعمال الظنون وبذل الجهد في المعارضات ودفعها ، بخلاف الظنّ بحقّية أحد المتخاصمين ؛ فإنّه ممّا يصعب الاجتهاد وبذل الوسع في فهم الحقّ من المتخاصمين ؛ لعدم انضباط الأمارات في الوقائع الشخصيّة وعدم قدرة المجتهد على الإحاطة بها حتّى يأخذ بالأحرى ، وكما أنّ المقلّد عاجز عن الاجتهاد في المسألة الكلّية ، كذلك القاضي عاجز عن الاجتهاد
______________________________________________________
رجحان الاعتقاد عند من انسدّ في حقّه باب العلم. ودعوى علمنا إجمالا بكثرة مخالفة ظنّه للواقع غير قادحة في عمله بظنّه. ودعوى حصول العلم الإجمالي للظانّ منافية لما تقدّم من المصنّف رحمهالله عند بيان الإيرادات التي أوردوها على إبطال وجوب الاحتياط الكلّي بقاعدة العسر ، من امتناع حصول العلم الإجمالي بمخالفة بعض الظنون التفصيليّة للواقع.
وثالثها : أنّ الشارع في نصب الطرق للقاضي في القضاء والحكومة لم يلاحظ الواقع ، بل أعرض عنه ، وجعل المناط هو مؤدّيات الطرق المخصوصة ، ومقتضاه عند انسداد باب العلم بالطرق هو إعمال الظنّ بالطرق دون الواقع ، بخلاف ما نحن فيه على ما أوضحه المصنّف رحمهالله. وأنت خبير بأنّ ذلك يوجب عدم جواز قضاء الحاكم بعلمه ، وهو خلاف التحقيق. ويوجب وجوب إنفاذ الحكم ولو بعد القطع للحاكم أو غيره بتخلّف الطريق عن الواقع ، بأن ظهر خلافه على سبيل القطع بعد القضاء. وبالجملة ، إنّ الظاهر أنّ طرق قطع الخصومات أيضا معتبرة من جهة غلبة المطابقة للواقع.
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
