__________________
الصدقة في أموالهم.
ومن رحمته بعباد الله وحسن خلقه مساواة نفسه معهم في حالهم ، ولم يفت الفقراء بشيء من أمر الدنيا فيختص به عنهم ، بل كان رأس الزاهدين فيها امتثالا لرب العالمين ، ورحمة لأمته أجمعين.
يروى أن جماعة من أهل الصفة أتوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقالوا : «يا رسول الله أحرق بطوننا التمر.
فسمع بذلك رسول الله صلىاللهعليهوسلم فصعد المنبر. ثم قال : ما بال أقوام يقولون : أحرق بطوننا التمر ، أما علمتم أن هذا التمر طعام أهل المدينة؟ وقد واسيناكم بما عندنا ، والذي نفس محمد بيده منذ شهرين لم يرتفع من بيت رسول الله صلىاللهعليهوسلم دخان للخبز ، وليس لهم إلا الأسودان : التمر والماء».
ومن رحمته عليهالسلام لأمته طلب الألفة بينهم والمؤاخاة لهم قائلا : «لا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا».
ومن آداب من علم أنه عليهالسلام نبيّ الرّحمة أن يكون متخلّقا برحمته وشفقته ، ويعلم أن الرحمة إنما نزعت من قلوب الأشقياء ، وإنما أسكنها الله في قلوب الأتقياء.
ويروى أن أعرابيّا أتى النبي صلىاللهعليهوسلم وكان صلىاللهعليهوسلم يقبّل أحد أولاده.
فقال الأعرابي : «يا محمد إنّ عندي عشرة من أولادي فما قبّلتهم قط ، فقال النبي صلىاللهعليهوسلم : وأي شيء أملك لك ، وقد نزع الله الرحمة من قلبك؟».
فاعلم أيّها المحب المتخلّق بطريقته إن أردت النجاة فكن متخلّقا بالرحمة لأمته ، فارحم صغيرهم ، ووقّر كبيرهم ، وعلّم جاهلهم ، وردّ ضالهم ، وأعط من حرمك منهم ، وصل مقاطعهم ، واغفر لمن أساء منهم ، وسامح ظالمهم ، واستر عورتهم ، ونفّس كربتهم ، وواس فقيرهم ، وتواضع لهم ، وخالطهم فيما تطيّب به قلوبهم ، واقبل كلامهم ، واظهر لهم أنك لم تمتز بشيء عنهم ، وحقّر لهم ما عندك في أعينهم ، وأخبرهم بأنّكم الكلّ عبيد ، والله يفعل في ملكه ما يريد ، هذا يغنيه ، وهذا يفقره ، هذا يحييه ، وهذا يميته ، وهذا يعزّه وهذا يذله ، هذا يبكيه ، وهذا يضحكه ، هذا يولّيه ، وهذا يعزله ، هذا يعطيه وهذا يمنعه ، هذا يشقيه ، وهذا يسعده. وإذا امتزت عنهم بشيء من هذه الزهرة الفانية فلتظهر لهم تقلّلها ، وأنها عن قريب تفنى زهرتها ، وأنك لم تحصل منها على طائل بل على ظل زائل ، وأن الفرح إنما هو بفضل الله وبرحمته ، عليه يتوكل المتوكلون. قال تعالى : (قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[يونس : ٥٨].
ولتكن متشبّها بأخلاق الصحابة الكرام في تخلّقهم مع رعيتهم ورحمتهم بهم ، وشفقتهم عليهم ، ومحبّتهم فيهم لله تعالى ؛ ابتغاء لثوابه وخوفا من عذابه.
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
