فإن ذلك راجع إلى استعداداتهم ، فليس ذلك قهرا خارجيّا عن اللطف ، وإليه الإشارة بالاسم القهار ؛ إذ لو قهر الله عباده بما كان خارجا عن استعداداتهم ، لكان ذلك ظلما منه ، وهو منزه عنه.
ومنه يعلم أن رحمته سبقت غضبه : أي لأن الرحمة التي هي الخير مقتضى بالذات ، وهو مقتضى ذاته تعالى ، والغضب الذي هو الشر ليس بمقتضى بالذات ، وإنما من آثار العوارض التي تلبس بها العباد في ثاني الحال ، بمقتضى استعداداتهم في عوارض بالنسبة إلى ثاني الحال ، وشئون ذاتية بالنسبة إلى أول الحال ، والله تعالى هو الخلاق على الدوام في الدارين ، فهو لطيف بهم ، ولا يقهرهم إلا عن سؤال لسان الحقيقة ، فلله الحجة البالغة ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط منه ، وليس إلا حصائد ألسنتهم وأيديهم ، فأعمالهم.
فكذا ذواتهم ، منها قائم إن كانت من المحكمات ، ومنها حصيد ، إن كانت من المعلقات ، فطوبى لمن كان قائما من الأزل إلى الأبد ، لا يذروه الرياح ، ولا ينسفه الواصف ، وويل لمن كان حصيدا بيد القهر والجلال ، إلا أن يكون ذلك من قبيل الفناء ؛ لتحصيل البقاء والكمال ، فالأول غضب صورة ومعنى ، والثاني غضب صورة ورحمة معنى ، وعلى هذا جرى عباد الله وصبروا على الأقضية والبلايا ؛ انتظارا للمنح والعطايا .. الفقير حقي ، حرره الشامي.
* * *
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
