وأمّا عالم الأرواح فليس فيه الذكورة والأنوثة ؛ بل لا أبوّة فيه ولا بنوّة بتقديم الباء ، وكون أحمد أبا الأرواح بالنسبة إلى ظهور أنوارهم من نوره ، وكذا نبوته كما قال : «كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين» (١) ، فإنه أشار به إلى صدارته في ذلك العالم من غير أن يكون هنا أمر ونهي ، وتبليغ نعم دعوة روحانية ، وبذلك سمّي نبينا.
ومن ذلك ان الله تعالى لمّا خلق النور المحمّدي ، وأظهره بالتجلّي النوري البرقي ، وكساه كسوة روحانية ؛ لئلا يحترق من رآه من الأرواح ، قال : لا إله إلا الله ، فقال الله تعالى : محمد رسول الله ، فكانت نبوته ورسالته في ذلك بمنزلة صفات الله تعالى قبل خلق الكائنات ، وكذا توحيده توحيدا روحانيا فطريا لا يتعلّق بنفي شرك ونحوه.
إذ لا نفي ، ولا إثبات هناك إذ لا إيمان ، ولا كفر ؛ لأنهما إنما ثبتا وظهرا بعد الدعوة في عالم الأجسام ؛ فهما من أحكام هذه العالم لا من أحكام عالم الأرواح ، وما ذهب إليه بعض المحققين من أن نبوته في ذلك العالم كانت بالفعل حيث دعا الأرواح إلى ذلك التوحيد لا بالقوة كما لسائر أرواح الأنبياء ؛ فإنما هو تصوير لتقدّم نور الأحمدي ، وكونه مبدأ سرّ التوحيد والتبليغ ؛ فإن هذه المبدائية له كانت بالفعل ، وقول الله : محمد رسول الله يدلّ على أن البقاء بالله أفضل من الفناء في الله ، وإن المحمّدية صورة الحق في صورة الخلق ، فمن نالها ؛ كان ذا جناحين ؛ جناح الكون ، وجناح الوجوب.
والثالثة : إنه صرح بالرجال وليس ذلك لإخراج النساء ؛ بل لأن القصة إنما وقعت في حق زيد رضي الله عنه ، وهو من رجالهم.
تقول عائشة ـ رضي الله عنها : «أنا من رجالهم لا نسائهم» ، أخذا من قوله تعالى : وأزواجه أمهاتهم ، فإنما هو بناء الأمر على الظاهر ، وإلا فهي وسائر المطهّرات من الأزواج ، وأمهات المؤمنين والمؤمنات ، ومعاوية خال المؤمنين والمؤمنات ، وكذا نحوه صرّح به حضرة الشيخ في الفتوحات المكية ؛ وهو الذي يقتضيه الذوق.
__________________
(١) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (٢ / ١٦٩) ، والقاري في المصنوع (١ / ١٤٢).
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
