في سورة الأحزاب
قال الله سبحانه : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً) [الأحزاب : ١٤].
اعلم أن الذّكر الكثير هو : ما كان بالقلوب ، والأعمال ، والأحوال ، كما كان النبي صلىاللهعليهوسلم يذكر الله تعالى في كل الأحيان ، فإن من كان مع الله تعالى في جميع حالاته ؛ فهو ذاكر له تعالى سواء قارنه الذكر اللساني أو لا.
فالكثرة هنا عبارة عن : الاستيعاب والإحاطة بجميع الأوقات والحالات ، كما أن القلة في قوله تعالى في حق المنافقين : (وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلاً) [النساء : ١٤٢] عبارة عن العدم : أي لا يذكرون الله تعالى إلا ذكرا هو ليس بذكر عنده تعالى ؛ لأنهم إنما يذكرون باللسان فقط ، والذكر اللساني المجرّد عن اعتقاد الجنان وإخلاصه قليل معدوم بالنسبة إلى الذكر القلبي ؛ لأن المقصود عمارة الباطن لا عمارة الظاهر ، فظهر أن الخلوص بمنزلة الإكسير الخالص في القلب.
ومن هنا كان يرفع لبعضهم في يوم واحد عمل أهل الأرض كلها ؛ بل عمل أهل السماء ؛ لأن الكامل منا إنما يذكر الله تعالى بكل أسمائه بخلاف الملائكة ؛ فإن ذكرهم مخصوص بأسماء مخصوصة ؛ ولذا قالوا : (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) [الصافات : ١٦٤] ؛ وهو مقام الروحانية بحسب أسماء الروح إذ ليس لهم الترقّي إلى مقام السرّ ، وسرّ السر.
ولذا ذهب بعضهم إلى أنه ليس لهم مقام الرؤية ، والظاهر أن لهم ذلك من مرتبتهم الروحانية ؛ فهم يرون الله تعالى بأبصار الأرواح لا بأبصار الأسرار ، وأبصار الأسرار أكشف وأجلى من أبصار الأرواح ؛ لأنه كلما حصل الترقّي ؛ ازداد التجرّد ، وكلّما ازداد التجرّد ؛ حصل كمال الوصول ؛ بل الحصول فافهم جدا ، واعبد ربك إلى أن يأتيك اليقين الذي ليس فوقه يقين.
وقال الله تعالى : (قُلْ) [الأحزاب : ١٦].
يا صاحب الفناء ، والبقاء على الوجه الأكمل ، كما دلّ عليه شرح صدره :
ففيه الرتبة العلياء ، والفضيلة العظمى ، والجمعية ، قال عزوجل (لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ) [الأحزاب : ١٦].
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
