في سورة الروم
قال الله تعالى : (فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) [الروم : ٥٠].
اعلم أن وجه الإنسان عند مسّ الهمّ ، ووقت الغمّ ؛ كوجه الأرض في الشتاء حيث إن كلّا منهم يتغيّر عن حاله ؛ وهو موته ، ثم يحييه الله برحمته التي هي المطر بالنسبة إلى الأرض ، والسرور بالنسبة إلى القلب ، وأثر تلك الرحمة ؛ الخضرة في وجه الأرض ، والانبساط في البشرة ، فقد أشارت الآية بأن ذلك الموت ليس بمستمر ؛ بل يتعقّبه الحياة على ما يقتضيه الأسماء الإلهية الحاكمة على هذا العالم ، المدبّرة في الأنفس ، والآفاق المؤثّرة في الظاهر والباطن.
ولمّا كان ذلك موقوفا على النظر الصحيح ؛ قال : فانظروا ، ونظير ذلك الليل والنهار والنوم واليقظة ، والسحابة على وجه الشمس ، والانكساف والكدورة للماء وصفوته ، ثم الموت والحياة المذكوران ، وإن كانا مجازيين عند أرباب الظاهر ؛ لكنهما حقيقتان عند أهل الباطن.
فإن للأرض روحا نباتيا ، كما أن للإنسان روحا حيوانيا بل للإنسان روح نباتي أيضا به يشتهي الأكل والشرب ، وبه تربيته في بدنه لا بالروح الحيواني ، وإن كان الروح الحيواني مبدأ الحسّ الحركة.
فالفرق بين الأرض والإنسان : أن للأرض روحا نباتيا وروحا [جماديا].
فالأول : يدركه العامة.
والثاني : يدركه الخاصة.
وإن للإنسان روحا نباتيا وروحا حيوانيا بالفعل ، وروحا حقانيا بعد مفارقة الروح الإنساني ، فالميت جماد في الصورة حتى في المعنى بالحياة الحقانية ، فإذا لا موت للعالم بالكلية وإنما هو باعتبار.
ومن ذلك يعرف أن المحجوب يحمل كلام الجمادات ، وتسبيحه على معنى الدلالة.
وأمّا المكاشف فعلى الحقيقة ؛ لأن المحجوب لا يسمع تسبيح الأشياء مطلقا ؛
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
