في سورة القصص
قوله عزوجل : (وَقَتَلْتَ نَفْساً) [القصص : ٤٠].
وهي النفس الحيوانية ، وبقرة الطبع ، وذلك بالرياضة والمجاهدة التي هي أشدّ من السيف الماضي الصارم.
والتنكير : يشير إلى التهويل ، فإن حقيقة النفس لا يعرفها كل أحد ، ولا يقطع عرقها كل مجتهد ؛ فهي أشدّ من الثّعبان ، ونسأل الله العفو على قتلها.
قوله تعالى : (فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِ) [القصص : ٤٠].
: أي من غمّ حياة النفس ؛ فإن حياتها باعث الغموم ، وسبب الهموم إذ ما من تنزّل وسقوط إلا وببطشها يحصل ، وما من تلوين واضطراب إلا وبتسويلها يتمكّن ، فما دامت النفس حية ؛ فهي حية تسعى ، ولا يؤمن شرها.
وقوله عزوجل : (وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً) [القصص : ٤٠].
أي : قبل هذا ؛ لأن باحتمال الشدائد ، يحصل النجاة ، وبمقامات المحن ؛ يوجد المنحة ، ويمكن أن يحمل الفتون والاختيار على ما بعد نجاة القلب من أثر النفس والقالب ، وذلك لأن النبوة ، وكذا الولاية التي تقتضي البقاء ؛ تقتضي التبليغ الذي لا يخلو من معالجة الناس ومعاملتهم ؛ وهم هم في الركون إلى الشهوات ، والميل إلى الأمور الطبيعية ، والمعارضة بالمخالفات النفسانية ، وذلك من حكم الاسم الظاهر ، وإن صفا الباطن ، وزال الكدورة عن مرآة القلب.
والحاصل : إن الأسماء الجلالية لا ترتفع أبدا ، كالنار ، فالقالب في النار ، والخليل سالم ، فعليك بهذه المرتبة حتى تكون أكمل الناس وأسعدهم ، وعلى كل حال ، فالمحقق يأكل السّم ، والحنظل ، والعارف يأكل الحلوى.
وقد فسّره ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بقوله : وطحنّاك طحنا ، كان الإنسان الكامل كحبة القمح لا يزال يطحن تحت حجارة القهر والجلال ، وذلك من أحكام هذا الموطن.
وأمّا موطن الآخرة : فليس هنا للأكامل إلا اللطف ، والجمال قالبا وقلبا ، ظاهرا وباطنا ، (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌ) [الروم : ٦٠] فلا خلف فيه أبدا.
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
