في سورة إبراهيم
قال الله سبحانه : (هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ) [إبراهيم : ٥٢].
أي : هذا القرآن العظيم (١) تبليغ دعوة الله تعالى على لسان الرسول صلىاللهعليهوسلم إلى الناس الناسين أنفسهم الحاضرين ، والذين يأتون من بعدهم إلى ساعة القيام ، وهذه الدعوة كانت مندرجة بالإجمال في الميثاق حين قال تعالى : (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) [الأعراف : ١٧٢].
فإن الربوبية تابعة للألوهية ، وهي لكونها مرتبة جامعة تشمل على عبودية الناس بأنواع العبادات ؛ لكن التعيين بحسب اختلاف الأمم والأزمان مفوّض إلى الله تعالى ، فجاءت الرسل في الأعصار المختلفة مبلّغين عن الله تعالى دعوتهم إلى جنابه بالتوحيد ، وما يليه من شعب الإيمان ، وإنما احتاجوا إلى هذا التبليغ ؛ لاحتجابهم بالغواشي البشرية ، والحجب الكونية عن التفكّر والتذكّر ؛ لعدم كفاية العقول والإدراكات في ذلك.
وقد ثبت عند أهل الله تعالى : إن لله تعالى مواثيق مختلفة كليات وجزئيات.
أمّا الكليات : فقبل يوم الميثاق في عالم الأرواح.
__________________
(١) إن المراد بالقرآن ، الدعوة والذكر ، والقرآن كله هو الذكر الأعلى ، وهو أجلّ معجزات النبي صلىاللهعليهوسلم فإنه صفة «ذات» الله عزوجل ، وما عداه من المعجزات صفة «فعل» الله ، وهو من المعجزات الباقية ، وغيره من المعجزات الذاهبة بذهاب وقتها ، وهو معجزة كانت وبقيت ، ومن فضائله أنه هو الذي يطلب بعد الموت وفي المواضع الضيقة وفي وقت الخاتمة ، ومن جملة جلالته أنه في الحيوان العاقل وغير العاقل ، قال تعالى : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الإسراء : ٤٤].
وأمّا من أثبت نطق الموجودات فأمره أعظم في حق الذكر ، وأمّا من أنكر ذلك فقد ألزم ذكر لسان الحال ، ومن فضيلته ثبوته بعد الأعمال في الجنة ، وإن كان غيره من المقامات يثبت مثل ثبوته ، ومن فضيلته كونه في كل مقام بالقوة ؛ لأنه يمشى ويتصل حيث تتصل النية لأنها هي القصد ، ومفهومه الخبر الصادق ، والعزم الثابت ، والتصديق الخالص ، ونحن قد ذكرنا أنه ينقسم إلى ظاهر وباطن ، والكلام هو المعنى القائم بالنفس ، وهو الدائر في الخلد بحسب مذهب ما ، وكل كلام هو لله أو من أجله أو يذكر به أو بوظائفه فهو ذكر.
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
